سوق المترجمين العرب (نموذج أولي لبزنسها). يتم التشغيل بواسطة Blogger.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هاروكي موراكامي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هاروكي موراكامي. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 8 سبتمبر 2014

المرآة / قصة قصيرة هاروكي موراكامي – ترجمة جهان سمرقند

حول قصة ” المرآة  “


هناك مقولة شهيرة في الادب ، خرجت من حكايات وقصص الهرم الادبي بورخيس ، ان المرآة والجماع بغيضان لانهما يضاعفان عدد البشر ! وردت هذه العبارة في احدى قصص بورخيس المعروف عنه كرهه للمرايا . والمرآة بالتحديد هنا مقصودة من هاروكي موراكامي لاستعمالها في قصته هذه التي لن نروي احداثها كي لا نحرقها انما نقول انها مماثلة/متناصة وتحيل الى  قصة بورخيسية يلتقي فيها بورخيس مع ذاته ويجري حواراً.


وهذه القصة مهمة ومحورية بالنسبة للمجموعة ككل اي المجموعة المقتطفة منها وهي الصفصافة العمياء المرأة النائمة ،لماذا .. لان الراوي يبدا بحكاية حكاية امام رواة اخرين يستمعون له .. ولهذا يمكن جدا ان تكون كل المجموعة مرتبطة (اي عبارة عن حكايات يحكيها الناس في المجالس كل مرة وياتي دور واحد ) وهذا ما لم يلمح له هاروكي بل اكد ان القصص منفصله وهذا الامر من العاب الروائيين الشيقة ككل .حدثت هذه التقنية الشيقة ايضا في رواية حكايا ايفا لونا لايزابيل اللندي .حيث تبدو القصص منفصلة تماما حتى ما ان تقارب نهاية الرواية لتعرف انها مرتبطة اشد الارتباط .. وهذا ما فعلته ايضا بتجديد ادبي تشكر عليه ودون الاطلاع على هذه الاعمال من قبل ، الاديبة جهان سمرقند في كتابها القصصي امتداد الظل .


اني لمسرورٌ للغاية اني في هذا الفريق لترجمة مثل هذه الروائع ، وهذا ما يلخص كل مشاعري كي لا استمر بالثرثرة واترككم مع احدى روائع موراكامي بترجمة جهان سمرقند .



” المرآة  “



قصة لهاروكي موراكامي


ترجمة: جهان سمرقند


 

[caption id="attachment_238" align="aligncenter" width="500"]قصة قصيرة هاروكي موراكامي قصة قصيرة هاروكي موراكامي[/caption]



كل القصص التي رويتموها الليلة تبدو واقعة ضمن فئتين، فهناك فئة حيث تجد عالم الأحياء من جهة، و عالم الأموات من جهة أخرى، و بعض القوى التي تسمح بالعبور بين الجهتين، و يشمل هذا الأشباح و ما شابههم. أما الفئة الثانية فتتضمن القدرات الخارقة، الهواجس، و القدرة على التنبؤ بالمستقبل. كل قصصكم تنتمي إلى واحدة من الفئتين.


 

في الواقع، تجاربكم  تندرج ضمن واحدة منهما. ما أعنيه، أن الناس الذين يرون الأشباح يرون فقط الأشباح و لا هواجس لديهم إطلاقا. و الذين تتملكهم الهواجس لا يرون الأشباح. لا أدري لما، لكن على ما يبدو أنها نزعة فردية إلى واحدة منهما، هذا انطباعي على الأقل.


هناك بالتأكيد من لا ينتمون إلى أي فئة، و على سبيل المثال أنا. فعندما بلغت ثلاثين سنة و نيف لم أكن قد رأيت شبحا يوما في حياتي، و لم تتملكني أية هواجس و لا رؤى.  حدث مرة أن كنت في مصعد مع زوجين من الأصدقاء و قد أقسموا أنهم قد رأوا شبحا معنا، لكنني لم أرى شيئا. و ادعوا أنها كانت امرأة ببدلة رمادية تقف تماما بقربي، لكن لم تكن هناك أي امرأة، على الأقل بقدر ما يمكنني تصديق ذلك. كان ثلاثتنا فقط في المصعد، أنا لا امزح، و لم يكن هذين الصديقين من النوع الذي يخطط للقيام بمقلب لي. كان الأمر برمته غريبا، لكن تبقى حقيقة أنني لا زلت لم أرى شبحا على الإطلاق.


لكن كانت هناك مرة – فقط مرة واحدة- مررت فيها بتجربة أرعبتني و أفقدتني صوابي.  حدث هذا قبل عشر سنوات، و لم أخبر به أحدا قط. كنت خائفا حتى من الحديث عن الأمر. أحسست أنني لو فعلت فإن الأمر سيتكرر ثانية، و لذا لم أُثر الموضوع. لكن الليلة تحدّث كل واحد منكم عن تجربته الخاصة، و بصفتي المضيف لا يمكن أن أسميها ليلة دون أن أشارك فيها بقصة من عندي.  لذا قررت أن أدخل في الموضوع مباشرة و أخبركم قصتي. ها هي إذن:


تخرجت من الثانوية العامة في نهاية 1960، حينما بلغت الحركة الطلابية أوجها للتو. و كنت جزء من جيل الهيبيين، و رفضت الذهاب إلى الكلية، و بدلا عن ذلك، جلت جميع أنحاء اليابان أمتهن الحرف.  كنت مقتنعا أن هذه هي أكثر طريقة صائبة للعيش. يافع و متهور، هكذا بإمكانكم أن تنعتوني. عندما أعيد النظر إلى تلك المرحلة من حياتي، على الرغم من كل شيء، أعتقد أنني حظيت بحياة ممتعة  وقتها. و سواء كان الخيار صائبا أم لا، فإنه لو أتيحت لي العودة للماضي مرة أخرى، فأنا متأكد من أنني  سأعيش بنفس الطريقة مرة أخرى.


في خريف السنة الثانية من التجوال عبر البلاد، حصلت على عمل لشهرين كحارس ليلي في مدرسة إعدادية. كان هذا في مدرسة ببلدة صغيرة في محافظة نيجاتا. كنت قد أُنهكت من العمل طيلة الصيف، و أردت أخذ الأمور ببساطة لفترة. أن تكون حارسا ليليا ليس بالأمر المعقد، فقد كنت أنام خلال النهار في مكتب البواب، و في الليل كل ما كان عليّ فعله هو القيام بجولتين حول المدرسة للتأكد من أن كل شيء بخير، أما باقي الوقت فقد كنت استمع للتسجيلات في غرفة الموسيقى، اقرأ الكتب في المكتبة، و ألعب كرة السلة لوحدي في قاعة الرياضة. أن تبقى وحيدا طوال الليل في مدرسة لم يكن حقا بالأمر السيئ. هل كنت خائفا؟ إطلاقا. فعندما تكون في الثامنة عشر أو التاسعة عشر من العمر لا شيء يرعبك.


لا أتصور أن هناك  منكم من عمل يوما كحارس ليلي، لذا أظن أنه عليّ أن أشرح طبيعة العمل و واجباته. يُفترض أن تقوم بجولتين كل ليلة، واحدة على الساعة التاسعة ليلا و الأخرى على الثالثة فجرا، هذا هو البرنامج. كانت المدرسة بناءا جديدا من ثلاث طوابق، من ثمانية عشر إلى عشرين حجرة دراسية،و لم تكن بالمدرسة الكبيرة كباقي المدارس. بالإضافة إلى الحجرات هناك قاعة الموسيقى، و حجرة التدبير المنزلي، أستوديو للفنون، مكتب الموظفين، و مكتب المدير، بالإضافة إلى كافيتريا منفصلة، مسبح، صالة رياضة، و قاعة محاضرات.  كانت مهمتي أن أقوم بمراقبة سريعة لكل هذا.


أثناء القيام بجولاتي، كنت أتّبع قائمة تَحَقُّق مكوّنة من عشرين نقطة، حيث أضع علامة "تمّ" أمام كل نقطة أنتهي من التحقق منها: مكتب الموظفين تمّ ، مخبر العلوم تم... أظن أنه كان بإمكاني البقاء في السرير في غرفة البواب، أين أنام ، و أضع علامات التحقق على القائمة دون تكبد عناء القيام بالجولة. لكنني لم أكن من ذلك النوع العشوائي من الشباب. لم تكن الجولة تستغرق وقتا طويلا، ضف إلى ذلك، إذا ما سطا أحدهم على المكان أثناء نومي، فأنا أول من سيتعرض للهجوم.


على كل حال، كنت هناك على التاسعة و النصف كل ليلة، أقوم بجولاتي،أحمل  المصباح في يدي اليسرى، و في يمناي سيف كيندو خشبي. مارست الكيندو في الثانوية  و أحسست بالثقة في قدرتي على التصدي لأي كان، و إذا كان الذي يهاجمني مجرد هاو، حتى و لو كان يحمل سيفا حقيقيا، فإن هذا لن يخيفني. لا تنسوا أنني كنت شابا آنذاك، أما إن حدث أمر كهذا الآن، فإنني سأفر كالجبان.


على أي حال، حدث هذا في ليلة عاصفة في بداية أكتوبر، في الواقع يكون الجو رطبا نوعا ما في هذا الوقت من السنة. كان سرب من البعوض يحوم في الجوار ذاك المساء، و أتذكر أنني قمت بحرق قرصين مبيدين للحشرات لإبقائه بعيدا. كانت الريح عاتية، و كانت بوابة المسبح مكسورة ما جعل الريح تصفقها ذهابا و إيابا. فكرت في إصلاحها، لكن الظلام كان حالكا، لذا ظلت تصفق بقوة طوال الليل.


مرت جولة التاسعة و النصف بخير، و تم التحقق من كل النقاط العشرين على القائمة بشكل دقيق. كانت كل الأبواب مغلقة، و كل شيء في مكانه. لا شيء غير عادي. فعدت إلى غرفة البواب، و ضبطت منبهي على الثالثة، و غرقت في النوم بسرعة.


عندما رن المنبه على الثالثة، ، استيقظت و شعور غريب الذي كان يراودني. لا يمكنني شرح الأمر، لكني شعرت أني مختلف.  لم أشعر بأنني أنهض، بل كأن هناك شيء ما يكبت رغبتي في النهوض من الفراش، لاسيما أنني من النوع الذي يقفز مباشرة من فراشه، لذا لم استطع فهم الأمر. كان عليّ إجبار نفسي على النهوض و الاستعداد للقيام بجولتي. كانت بوابة المسبح لا تزال تواصل إيقاع ضربها، لكنه الآن مختلف عما سبق. فكرت في أن هناك شيء غريب يحدث بالتأكيد، و ترددت في الذهاب. لكن أقنعت نفسي أنه عليّ القيام بعملي، مهما حدث. ذلك أن المرء إن تهرّب من القيام بواجبه مرة، فإنه سيتهرب مرارا، و لم أشأ أن أقع في أمر كهذا. لذا حملت مصباحي  و السيف الخشبي و انطلقت.


كانت ليلة غريبة تماما. كان صرير الريح يزداد مع مرور الليل، و الهواء يتشبع أكثر بالرطوبة. بدأت الحكة تسري في جسدي و  لم أستطع التركيز.  قررت أن أبدأ بصالة الرياضة و قاعة المحاضرات و المسبح. كان كل ما تحققت منه على ما يرام. و كانت بوابة المسبح تهتز تحت وقع الريح كشخص مجنون يهز رأسه حينا و يومئ به حينا آخر، بشكل عشوائي. أولا إيماءتين: نعم، نعم ثم لا، لا، لا .. أعلم أن هذا التشبيه غريب، لكن هكذا بدا لي الأمر حينها.


كان الوضع عاديا داخل مبنى المدرسة. تحققت من الأمكنة و سجلت ذلك على قائمتي، لا شيء خارج المألوف يحدث، رغم الشعور الغريب الذي يراودني. مرتاحا قفلت راجعا إلى غرفة البواب. كان آخر مكان في قائمتي هو غرفة المرجل المحاذية للكافيتريا في الجانب الشرقي للمبنى، و المقابل لغرفة البواب، ما يعني أنه عليّ أن أمشي على طول الرواق بالطابق الأول في طريق عودتي. كان الظلام دامسا.، ففي الليالي التي لا يحجب فيها القمر، يكون الرواق مضاءً بعض الشيء، أما إن حُجب القمر فلن تستطيع رؤية شيء.


كان عليّ أن أسلط ضوء المصباح أمامي لأرى طريقي.  في تلك الليلة الخاصة، لم يكن الإعصار ببعيد، لذا كان القمر محجوبا. من وقت إلى آخر ، يتسلل نوره من بين السحب، لكن سرعان ما يغرق المكان في العتمة من جديد. كنت أمشي في الرواق أسرع من المعتاد، و كان أسفل حذائي الرياضي المطاطي يحدث صريرا إذ يحتك بالأرضية المشمعة. كان المشمع بلون أخضر كسرير مضبب بالطحالب، يمكنني حتى الآن استحضار صورته. كان مدخل المدرسة في المنتصف أسفل الرواق، و عندما مررت به فكرت، ما هذا ال ـــــ؟ خلت أنني رأيت شيئا في الظلام. فبدأت أتصبب عرقا، أحكمت قبضتي على السيف الخشبي، و استدرت ناحية ما رأيت، و سلّطت ضوء المصباح على الحائط المقابل لرفوف تخزين الأحذية.


و هناك كنت أنا، بعبارة أخرى لقد كانت مرآة، و لم يكن إلا انعكاس صورتي فيها. لم تكن موجودة في الليلة سابقة، لابد أنهم قاموا بتثبيتها في النهار. لقد كنت مذهولا يا رجل. لقد كانت مرآة طويلة، بالطول الطبيعي للإنسان. فارتحت لأن الأمر كان مجرد انعكاس لصورتي على المرآة، و شعرت قليلا بالغباء من كوني تفاجأت من هذا. إذن هذا كل ما في الأمر ، قلت في نفسي.  يا له من غباءǃ. وضعت مصباحي أرضا، و أخذت سيجارة من جيبي، و  أشعلتها. نظرت إلى نفسي في المرآة و أنا أسحب نفسا من سيجارة، لاح ضوء خافت من الخارج عبر النافذة وصولا إلى المرآة، و كانت بوابة المسبح من خلفي تهتز على وقع الريح.


بعد سحب بضع أنفاس من السيجارة، لاحظت فجأة شيئا غريبا، و هو أن الصورة المنعكسة على المرآة لم تكن لي. ظاهريا تبدو مثلي تماما، لكنها لم تكن أنا بكل تأكيد.  كلا، لم تكن انعكاسا، بل كانت أنا، لكنها أنا آخر. أنا آخر ما كان يجب أن يكون إطلاقا. لا أدري كيف أعبر عن الأمر، لكن من الصعب شرح ما أحسسته حينها.


الأمر الوحيد الذي فهمته هو أن هذا الشخص يكرهني. كان بداخله كره يشبه جبلا من الجليد يطفو على بحر مظلم. ذلك النوع من الكره الذي ليس بإمكان أحد أن يخفف منه إطلاقا.


وقفت هناك لفترة، مندهشا. انزلقت سيجارتي من بين أصابعي و سقطت على الأرض، و كذلك سقطت السيجارة التي في المرآة. كنا واقفين هناك، نحدّق في بعضنا. أحسست أنني كنت مقيّد اليدين و القدمين و لم استطع الحراك.


و أخيرا تحرّكت يده، و لامست أنامل يده اليمنى ذقنه، ثم كحشرة، زحفت ببطء على وجهه. أدركت فجأة أنني كنت أقوم بالشيء نفسه، وكأني كنت أنا انعكاسا لما في المرآة و الذي كان يحاول أن يسيطر عليّ .


مستجمعا ما تبقى لي من قوة صرخت و انقطع الوثاق الذي كان يبقيني متسمّرا في المكان. رفعت سيف الكيندو و هويت به على المرآة بكل ما أوتيت من قوة،و سمعت صوت الزجاج يتهاوى لكن لم انظر إلى ورائي و أنا أهرع إلى غرفتي. و بمجرد أن دخلتها، أسرعت إلى غلق الباب و وثبت تحت الأغطية. كنت قلقا من السيجارة التي ألقيتها على الأرض، لكن كان من المستحيل أن أعود إلى هناك. كانت الريح تهدر طوال الوقت، و ظلت بوابة المسبح تحدث الجلبة حتى الفجر. نعم، نعم، لا، نعم ، لا، لا، لا..


أنا متأكد من أنكم قد خمّنتم مسبقا نهاية قصتي.


لم يكن هناك مرآة على الإطلاق.


عند طلوع الشمس، كان الإعصار قد مر. توقفت الريح و جاء يوم مشمس.  ذهبت إلى المدخل، و كان عقب السيجارة الذي قذفته هناك، و كذلك سيفي الخشبي، لكن لا وجود لمرآة، و لم تكن هناك أبدا أية مرآة.


ما رأيته لم يكن شبحا. كان ببساطة " أنا". لا يمكن أن أنسى أبدا الرعب الذي عشته ليلتها، و كلما تذكرت الأمر،  تراودني دائما فكرة أن أكثر ما يرعب في هذا العالم هي ذواتنا. ما رأيكم؟


ربما قد لاحظتم أنه لا يوجد في بيتي مرآة واحدة. لم يكن تعلم الحلاقة دون مرآة بالأمر السهل، صدقوني.



ترجمها إلى الإنجليزية :فيليب غابريال


للعربية : جهان سمرقند .


ظهرت الترجمة اولاً في مدونة جهان سمرقند . 2014.


الأحد، 31 أغسطس 2014

عام السباغيتي / قصة قصيرة هاروكي موراكامي - ترجمة محمود حسني

***


تقديم 


مسرور برؤيتي ترجمتين للكاتب والمترجم محمود حسني والكاتبة جهان سمرقند لقصتين جميلتين لهاروكي موراكامي من مجموعته القصصية المميزة الصفصافة العمياء انه لجهد مبارك وجميل جعلني افخر بهذا العمل الذي قدمناه انه جهد متواضع ايضا وانحناءة ادبية لكل اولئك المترجمين الذي عملوا بصمت وعلمونا من خلال ترجماتهم ورحلوا بصمت وقدموا للعالم الكثير اقول لهم (اسف لاننا اتينا متاخرين لهذا العالم ) . من بداية المترجمين العرب .. لا ادري!بل من بداية الترجمة الانسانية ككل ...منذ فكرة الحق بلبلة الالسنة والاحتياج للترجمة اصلا ..كل اولئك الذين عملواعلى تقريب الانسانية عبر الترجمة هم الادباء والمترجمون .وكما قلنا في بداية قصة ترجمتها لهاروكي ان الترجمة هي المعين الاساسي للادب .فهاروكي ترجم سالنجر وبول اوستر ترجم الفرنسية للانجليزية وبودلير هرم الشعر الفرنسي ترجم لهرم الشعر الانجلزي بو .مارسيل بروست احد اباء الرواية الحداثية ترجم لرسكن وريلكه الشاعر المرهف ترجم للكثيرين وفي عالمنا العربي الان ترجم الاديب عدنان مبارك والروائي غالب هلسا هنا حيث يتقاطع الادب والترجمة والبلد بالبلد والثقافة بالثقافة. انه جهد متواضع لكني فخور به كما قلت واقدمه كانحناءة للمترجمين العرب الذين انفقوا الكثير من نور اعينهم كي نتمتع بروائع ومهما كانت اجادتنا للغات اخرى فانه لا يوجد ما هو احلى ان تقرأ العالم بلغة الام ورائحة الام بين رغيف ساخن وقهوة اعدتها يد تحبك . مليءٌ قلبي بالفرح ..ممتليء فؤادي بالفخر ...والان كي لا اطيل الكلام لاقدم ببساطة (مع معلومات تقديمية للقصتين –ويمكنكم تجاوز المقدمة ان اردتم قراءة القصة وحسب ) ..وليبارككم الرب اينما كنتم .


حول قصة " عام السباغيتي "


انه لمن المعروف ان ماركو بولو يعتبر رحالة شهيرا زار اسيا وعرف الاوربيين على اسيا العصور الوسطى .. رحلة ماركو نفسها مهمة جدا لفهم هذه القصة .. لان قصة هاروكي تنتهي بالجملة التالية "هل يمكنك أن تتخيل كيف ستكون دهشة الإيطاليين إن علِموا أن ما صدروه عام 1971 في حقيقة الأمر لم يكن سوى العزلة الخالصة؟ " بينما يعتبر ماركو بولو قد احاط بالعالم وزار العديد جدا من البلدان .. وهناك اسطورة كما تقول الويكيبيديا انه هو من اتى بالباستا التي هي شكل من السباغيتي للاوروبيين ثم من دوائر الدهر والقدر صدر الايطاليون السباغيتي لاسيا ! اعتقد ان هذه الفكرة مهمة من وجهة نظري لفهم الجملة الاخيرة للقصة لان هاروكي تقصدها اكيد .. فهناك علاقة بين -العزلة / السفر والانتفاح اشارة الى العولمة اشارة الى انفرادية الانسان اشارة الى الاهتمام بالامور الشخصية والانعزالية ..اشارة الى العديد من الاشياء .


في تقديمي هنا لم احلل القصة ولا الترجمة التي كانت جيدة جدا ، فقط اوضحت هذه النقطة الاخيرة لان تحليل القصة كاملا يتطلب وقتا وجهدا اكبر .وكذلك ما سنفعل في تقديمنا لقصة المرآة .نركز فقط على نقطة ونشرحها ونترك الباقي كي يستنتجه القاريء الحصيف ويفيدنا به .


للاستزادة : رأي القاص والمترجم والاديب هلال شومان في القصة : هنا.


[caption id="attachment_229" align="aligncenter" width="500"]قصة قصيرة قصة قصيرة[/caption]


عام السباغيتي


 

ترجمها من اليابانية للإنجليزية: فيليب جابرييل ترجمها من الإنجليزية للعربية: محمود حسني



كان عام 1971 هو عام السباغيتي. لم أكن أفعل شئ في حياتي سوى طهي السباغيتي. دائما ما شعرت بالبهاء والسعادة كلما رأيت بخار السباغيتي يتصاعد من إناء الألومنيوم أثناء طهيها. كانت رغبتي الوحيدة تكمن في أن أراقب صلصة الطماطم وهي في المقلاة، تنضج على النار حتى تكون جاهزة كصوص من أجل السباغيتي.


في ذلك العام، أتذكر أنني قد ذهبت إلى متجر خاص بمستلزمات المطبخ واشتريت موقت للطبخ ووعاء كبير من الألومنيوم يصلح لطهي السباغيتي. كان كبيرا بدرجة لدرجة مدهشة. ثم أخذت أتنقل بين الأسواق، واشتريت الكثير من الطماطم، وقمت بجمع مجموعة متنوعة من التوابل النادرة. مررت على محل لبيع الكتب واخترت كتاب لطرق عمل الباستا. واشتريت كل نوع من السباغيتي وجدته أمام عيني، وطهوت من صوص الطماطم كل نوع من الممكن أن يكون قد سمع به شخص ما.


أتذكر رائحة زيت الزيتون مع قطع البصل والثوم الصغيرة تملأ فضاء شقتي، وخاصة الركن الذي يقبع فيه المطبخ. وبمرور الوقت، انتشرت الرائحة في جميع أرجاء المكان. وتغلغلت في أرض الشقة وسقفها وجدرانها، في ملابسي وكتبي وسجلاتي. حتى أنني كنت استطيع أن أجدها بين حزم رسائلي القديمة. إنها رائحة كالتي كان من الممكن أن تجدها في أزقة روما القديمة.


هكذا كان عام 1971، عام السباغيتي.


كنت أقوم بطهي السباغيتي وتناولها بمفردي. أصبح هذا الأمر بمثابة قاعدة لي، مقتنعا أن أفضل طريقة للاستمتاع بتناول طبق من السباغيتي عندما تكون بمفردك. في الحقيقة، لا أستطيع تفسير لماذا كان ذلك الاقتناع بداخلي، ولكن هكذا كان الأمر.


كنت أجلس إلى الطاولة واضعا الشاي والقليل من سلطة الخس والخيار -كان على أن اتأكد بشكل دائم من أن لدي الكثير منهما- مع السباغيتي، مستمتعا بتناول وجبتي على مهل، مُنهِيا كل ما تحتويه، تاركا الأطباق فارغة، تكاد تبدو مثل نظيراتها النظيفة. هكذا كنت على مدار الأسبوع من بدايته إلى نهايته. وعندما يبدأ أسبوع جديد، ابدأ رحلة جديد مع نوع جديد من السباغيتي.


في كل مرة جلست لأتناول السباغيتي، خاصة في الأيام الممطرة، ينتابني شعور غريب بأن هناك شخص ما سيطرق باب شقتي. وفي كل مرة أتخيل شخصا مختلفا: أحيانا أتخيل أنه شخص غريب، أحيانا أخرى أتخيل أنه شخص أعرفه، في مرة تخيلت أنها فتاة ذات سيقان ممشوقة كنت قد واعدتها في المدرسة الثانوية، وفي مرة تخيلت أنه أنا من يقف وراء الباب وقد جئت من سنوات قليلة ماضية لزيارتي الآن، وفي أوقات أخرى لم أكن أتخيل أنه قد يكون سوى ويليام هولدن وجينيفز جونز بين ذراعيه.


في حقيقة الأمر، لا أحد من هؤلاء غامر وأتى إلى شقتي. فقط كانوا في ذاكرتي كقطع السحاب التي تحوم حول الباب ولا تلبث إلا وتتلاشى.


على مدار ذلك العام، كنت أطهو السباغيتي وكأنني أمارس عملا انتقاميا. كفتاة هجرها حبيبها وهاهي تلقي برسائله في نار الموقد. مثلها، كنت ألقي بأعواد السباغيتي في وعاء الطهي.


أمسك ببعض السباغيتي بيديّ، أجمع الأعواد مع بعضها البعض بشكل جيد، ومن ثم أضعها في الماء المغلي وأنثر عليها بعض الملح. وبعدها، أظل واقفا بجوار نار الموقد، أحوم حول وعاء الطهي وفي يدي أعواد تناول الطعام اليابانية الشهيرة، من النوع الكبير، منتظرا جرس موقت الطبخ الذي بدت نغمته حزينة بشكل لم أفهمه.


كنت أتخيل أعواد السباغيتي وكأنها شياء ماكرة. ولهذا لا يمكنني السماح لها أن تغيب عن ناظريّ. فربما إن أدرت لها ظهري في مرة، قد تنزلق من فوق حافة الوعاء وتتلاشى بين جنبات الليل. كغابة استوائية تنتظر لبرهة من الوقت، في ليلة يغشاها الصمت، لتبتلع الفراشات الملونة في لحظة تشعر أن الزمن قد توقف فيها، وكأنها لحظة خلود.


أخذ يتردد في ذهني أنواع السباغيتي بالإيطالية


سباغيتي آلا بارميجانا


سباغيتي آلا نابوليتانا


سباغيتي آل كارتوسيو


سباغيتي آليو أوليو


سباغيتي آلا كاربونارا


سباغيتي دي لابينا


كان مصير الكثير من السباغيتي أن تُلقى على أحد رفوف الثلاجة بلا اكتراث. هذه الأعواد التي وُلِدت بين يدي فوق نار الموقد، وغسلتها بنهر الماء الذي غسلت به السباغيتي في ذلك العام، ومن ثم اختفت وكأنها لم تكن. في النهاية لم أملك شيئا سوى الرثاء لكل السباغيتي التي طهوتها.


في ديسمبر من ذلك العام، في الثالثة وعشرون دقيقة، رن جرس الهاتف. كنت مستلقيا على الحصير كشئ فارغ، مثل ذبابة ميتة، محدقا في السقف، وبقعة من ضوء الشمس تسقط على المكان الذي أرقد فيه وكأنها تشكله.


في البداية، لم أستطع التحقق إن كان حقا صوت جرس الهاتف. وكأنه ذكرى لشئ قديم غريب عني أخذ ينبعث بين طبقات الهواء في الغرفة. في النهاية، أخذ الصوت يتشكل في ذهني لأتأكد بما لا يدع مجال للشك أنه صوت جرس الهاتف. وعلى الرغم من أنني مكثت مستلقيا على الحصير، إلا أنني التقط سماعة الهاتف.


على الطرف الأخر كان هناك صوت غير واضح لفتاة، تبينت في النهاية أنها صديقة سابقة لصديق لي. شئ ما حدث بينهما وجعلهما ينفصلان. عليّ أن أعترف على مضض أنني لعبت دورا في الجمع بينهما في أول مرة التقيا فيها.


قالت: آسفة لأنني أزعجتك، هل تعلم أين هو؟


نظرت إلى الهاتف، ماسحا بنظري السلك الواصل إليه، كان طوله كافيا بالتأكيد ليتم توصيله بالهاتف. في النهاية تمكنت من الرد عليها بشئ مبهم. أحسست حينها أن هناك ما هو مشؤوم في صوت هذه الفتاة. وأن هناك مشكلة ما تختمر في إحدى الأركان، ولهذا لم يكن لدي رغبة في أن أتورط في أي شئ يخصها.


قالت بنبرة باردة غير مريحة: لا أحد سيقول لي أين هو، الجميع يتظاهر بأنهم لا يعلمون.ولكن هناك شئ مهم أود أن أقوله له. ولهذا أرجوك قل لي أين هو، وأعدك بأنني لن أورطك في أي شئ، ولن أخبره أنني عرفت طريقه من خلالك.


قلت لها: في حقيقة الأمر، أنا لا أعرف أين هو، لم أره منذ فترة طويلة.


كان صوتي لا يشبه الصوت الذي تعودت على سماعه. كنت أقول الحقيقة حول أنني لم أره منذ فترة طويلة. ولكنني كذبت بخصوص أنني لا أعرف أين هو. لأنني كنت أعرف عنوانه ورقم هاتفه. كنت كلما أتفوه بكذبة، شئ ما غريب يحدث لصوتي.


لم أجد منها أي تعليق.


وكأن الهاتف قد تحول إلى لوح من الثلج.


ثم بدأت الأشياء من حولي تتحول إلى ألواح من الثلج، وكأنني في قصة خيال علمي لـ ج. بالارد G. J. Ballard.


كررت لها: في الحقيقة، لا أعلم أين هو. لقد ذهب منذ فترة طويلة ولم يقل شيئا لي.


ضحكت الفتاة: حسنا، دعني أفكر، هو ليس بفطن للغاية، نحن نتحدث عن شخص دائما ما أحدث صخبا فيما يفعل بغض النظر عن جدواه أو أهميته.


لقد كانت محقة فيما تقول. فهو لم يكن فطنا بما يكفي.


ولكن هذا ليس معناه أنه يجب عليّ أن أخبرها أين هو. إفعل ذلك، وفي المرة القادمة ستتلقى مكالمة بها الكثير من التوبيخ القاسي. كنت بعيدا عن مشاكل وعبث الآخرين. كالذي حفر حفرة في الفناء الخلفي ودفن فيها كل ما يحتاج أن يُدفن. ولم يكن لي أن أسمح لأحد بأن يحفر من جديد مُخرِجا شيئا من هذه الأشياء.


قلت: أنا آسف


قالت فجأة: أنت لست مرتاحا إليّ، أليس كذلك؟


لم يكن لدي أدنى فكرة عما تقول، فأنا لا أكرهها على نحو خاص، كل ما في الأمر أنه ليس لدي انطباع اتجاهها. إنه من الصعب أن يكون لديك مشاعر سيئة نحو شخص ليس بداخلك شئ اتجاهه من الأساس.


قلت: أنا آسف، ولكنني الآن أطهو سباغيتي.


قالت: ماذا؟


قلت: لقد قلت أنني أطهو سباغيتي.


كنت أكذب، ليس لدي أدنى فكرة لماذا قلت ذلك. ولكن هذه الكذبة كانت جزء مني ومن حياتي. في الحقيقة، في هذه اللحظة، لم أكن أشعر أنني أكذب على أي حال.


انطلقت بخيالي وملأت وعاء الماء الوهمي، وأوقدت نار الموقد الوهمي بأعواد الثقاب الوهمية.


قالت: وهذا يعني؟


نثرت الملح الوهمي على الماء المغلي، وبلطف وضعت السباغيتي الوهمية داخل الوعاء الوهمي. ثم ضبط موقت الطبخ الوهمي على اثني عشر دقيقة.


قلت: وهذا معناه أنه لا يمكنني الحديث، لأن السباغيتي سوف تفسد لو تركتها على الموقد.


لم تقل شيئا.


قلت: أنا آسف، ولكنني أحتاج إلى تركيز من أجل طهي السباغيتي.


ظلت الفتاة صامتة، وبدا أن الهاتف سوف يتجمد من جديد بين يدي.


ثم أضفت على عجل: إذا هل يمكنك مكالمتي لاحقا؟


سألت: لأنك تطهو السباغيتي.


قلت: نعم


سألت: هل تطهوها من أجل أحد ما، أم ستتناولها وحدك؟


قلت: سأتناولها وحدي.


كتمت أنفاسها للحظة بدت طويلة، ثم أخرجت زفيرها وقالت: لا أجد طريقة لأجعلك تعلم ما أنا فيه. ولكنني في مشكلة حقيقية ولا أدري ماذا أفعل.


قلت: آسف، ليس في وسعي مساعدتك.


قالت: إن الأمر يتعلق ببعض الأموال التي اقترضها مني


قلت: يمكنني تفهم ذلك.


قالت: هو مدين لي، لقد قدمت له بعض المال، لم يكن علي أن أفعل ذلك، ولكن هذا ما حدث.


بقيت صامتا لدقيقة، وأفكاري كلها تنجرفت نحو السباغيتي الوهمية، ثم قلت: ولكن عليّ أن أذهب الآن لأن السباغيتي ســ.....


صدر منها ضحكة فاترة وقالت: إلى اللقاء. أخبر السباغيتي الخاصة بك سلامي لها. آمل أن تكون مطهوة على خير حال.


قلت: وداعا.


عندما وضعت سماعة الهاتف، كانت بقعة الضوء قد انحرفت عن مكانها على الأرض بمقدر إنش أو اثنين. فعدت لأرقد تحتها من جديد. وبقيت أحدق في السقف كما كنت من قبل .


كان تفكيري يأخذني لتخيل أن هناك نوع من السباغيتي من الممكن أن يظل يغلي في الماء إلى الأبد دون أن ينضج أبدا وهو الأمر الذي بدا لي أنه يبعث على الحزن.


الآن، أشعر ببعض الندم لأنني لم أخبر الفتاة عن أي شئ. ربما كان يجب عليّ مشاركتها ما أفعل. أعني أن صديقها السابق لم يكن يعني لها الكثير. الأمر كله كان يتمحور حول المال، وسينتهي الموقف عندما يعيد لها المال الذي أقترضه منها.


أحيانا أتسائل ماذا حدث للفتاة؟ كانت ذكراها تقفز إلى ذهني عندما يكون البخار يتصاعد من طبق السباغيتي الساخن. هل اختفت للأبد بعدما أغلقت الهاتف في في الرابعة والنصف عصرا من ذلك اليوم؟ هل يجب أن ألوم نفسي ولو جزئيا على ما حدث لها؟


أنا أريدك أن تتفهم موقفي، لأنني لم أكن أرغب في أن أتورط في مشكلة تخص أي شخص آخر. هذا ما كان يدفعني للاستمرار في طهو السباغيتي بنفسي ولنفسي في الوعاء الكبير الذي يكفي لراعي ألماني.


السباغيتي التي كانت في الأصل ذرات من السميد، والذي كان بدوره أعواد تمتلئ بسنابل القمح الذهبية، تتمايل مع نسيم الريح في الحقول الإيطالية الرائعة.


هل يمكنك أن تتخيل كيف ستكون دهشة الإيطاليين إن علِموا أن ما صدروه عام 1971 في حقيقة الأمر لم يكن سوى العزلة الخالصة؟

السبت، 23 أغسطس 2014

الصفصافةُ العمياء ، المرأة النائمة .(ترجمة )

الصفصافةُ العمياء ، المرأة النائمة .


هاروكي موراكامي


يونس بن عمارة


الصفصافة العمياء

 

 


 عندما اغلقت عيناي ، نفحة من الريح هبت تجاهي . رياح شهر ماي ، هذه الرياح التي تنضج الفواكه  ذات الغطاء الخارجي الرقيق ، والمحتوى اللزج والعديد من البذور ، بعض الفواكه الناضجة كانت متفتحة وهبّة الريح القت بذورها على ذراعي العاري مخلفة الما طفيفا ...


" كم الساعة الان ؟ " سألني ابن عمي الذي كان جالسا بجواري ..كان من نوع الاناس الذين ينظرون لك عندما يحدثونك ..


القيت نظرة على ساعتي وقلت "  العاشرة وعشرون دقيقة"


"هل ساعتك تعمل بشكل جيد ؟ "


" اجل .اعتقد ذلك "


امسك ابن عمي بمعصمي ونظر للساعة ، أصابعه النحيلة والمتناسقة كانت قوية بشكل يثير الدهشة  .


" هل كلفتك الكثير ؟"


"لا ، انها رخيصة جدا " قلت ونظرت مرة اخرى للساعة .


لا اجابة منه .


بدا ابن عمي متوترا ، واسنانه بين شفتيه بدت كأنها عظام ضامرة.


"انها رخيصة جدا " قلت ناظرا لليمين نحوه ، ورددت بتأن الكلمات " انها رخيصة جدا ، لكنها تعمل جيدا "


اومأ ابن عمي بصمت .


ابن عمي لا يسمع جيدا بأذنه اليمنى، فبعد ذهابه للمدرسة الابتدائية بقليل ضُرب بكرة بيسبول وخسر سمعه ،وعلى الرغم من ان هذا لا يسمح له بالقيام بالنشاطات اليومية بصورة طبيعية الا انه استمر في المدرسة العادية كأي طفل طبيعي اخر ، في صفه ، يجلس دائما اول الصف على اليمين وهكذا يتمكن من القاء سمعه الايسر على المعلم ، ودرجاته ليس سيئة جدا ، الامر هو انه احيانا يمكنه سماع الاصوات بشكل جيدا جدا واحيانا لا يستطيع ، بشكل دوري .,مثل المد والجزر ،احيانا ربما مرتان في العام ، لا يمكنه بالكاد سماع اي شيء من كلتا اذنيه ..يبدو ذلك وكان الصمت في اذنه اليمنى تعمق حتى شمل الاذن اليسرى ساحقا اي صوت فيها يمكن سماعه .


ولما يحدث هذا حياته العادية تنقلب ، لذا يخرج بعض الوقت من المدرسة ، الأطباء متحيرون لانهم لم يشهدوا حالة مماثلة لذا لا يوجد اي شيء لفعله .


" ساعة اليد الغالية لا يعني انها دقيقة " قال بن عمي كما لو انه يحاول اقناع نفسه .


" كنت ارتدي ساعة غالية جدا ، لكنها كانت لا تعمل دوما ، حصلت عليها في المدرسة المتوسطة ، لكني اضعتها العام السابق ، ومن ذلك الوقت وانا اخرج دون ساعة ،هم لا يريدون شراء واحدة اخرى لي  "


"لا بد انه من الصعب ان تخرج دونها ؟ "


"ماذا ؟ " سألني .


" الم يكن من الصعب ذلك ؟ " كررت ونظرت يمينا نحوه .


"لا ، ليس كذلك "  كرر هازا رأسه " ان الامر ليس كما لو انك تعيش وحدك في الجبال او شيء من هذا القبيل ، لو اردت ان اعرف الوقت فقط اسأل احدهم "


" صحيح" قلت .


وصمتنا مجددا لفترة .


اعلم انه كان ينبغي التحدث اكثر له ، ان اكون لطيفا معه واجعله يحس بالراحة حتى يصل للمستشفى ، لكن كانت قد مرت خمس سنوات منذ رايته لآخر مرة ، خلال هذه المدة كبر هو من التاسعة للرابعة عشر وانا من العشرين للخامسة والعشرين ، وهذه الفترة من الزمن خلقت حاجزا لا مرئيا بيننا كان من الصعب اجتيازه .حتى لو اردت ان اقول شيئا ، الكلمات التي ينبغي قولها تفر مني ..وكل مرة اتردد فيها... كل مرة ابتلع فيها كلاما كنت اود قوله للتو ..بن عمي ينظر لي بتوتر يبدو على وجهه، واذنه اليسرى موجهة نحوي ..


" كم الساعة الان ؟ "سألني


" العاشرة وتسع وعشرون دقيقة "  رددت .


كانت العاشرة واثنان وثلاثون دقيقة لما ظهرت الحافلة .


الحافلة التي اتت كانت من نوع جديد ليست من ذلك النوع الذي اعتدت ركوبه لما كنت في الاعدادية .الزجاج امام السائق كان اكبر ، والمركبة ككل كانت تشبه طائرة حاملة للصواريخ تنقصها الاجنحة ، وكانت مزدحمة اكثر مما توقعت ، لا احد كان واقفا لكن في نفس الوقت لا يمكن ان نجلس معا ..لم نذهب بعيدا في الحافلة فقط جلسنا بجانب الباب الخلفي للحافلة  ، ما كان يحيرني هو لماذا الحافلة كانت مزدحمة في هذا الوقت من النهار ..


انطلقت الحافلة من محطة سكك حديدية خاصة ثم الى منطقة سكنية في التلال ، ثم قفلت راجعة للمحطة ، لم يكن هناك اي موقع سياحي على طول الطريق ، كانت هناك بضع مدارس على طول الطريق لكن هذه تجعل الحافلات مزدحمة وقت الخروج من المدارس اما في هذا الوقت من النهار كان من المفترض ان تكون فارغة .


انا وابن عمي امسكنا مقابض التمسك و الاعمدة ، الحافلة كانت جديدة تماما ، الاسطح المعدنية كانت لامعة جدا ويمكنك رؤية انعكاس وجهك عليها ، الحافلة الجديدة وبالركاب الكثر الذين ملأوها بشكل لم اتوقعه ، ازعجني... ربما مسار الحافلة قد تغير منذ اخر مرة صعدت فيها ، نظرت حولي في الحافلة بحذر ثم نظرت خارجها لكنه كان نفس المنظر القديم لمنطقة سكنية هادئة اتذكرها جيدا.


" هذه هي الحافلة الصحيحة ، صح ؟ "


سألني بن عمي بقلق ..لربما لاحظ امارت الحيرة على وجهي لما صعدنا .


" لا تقلق " قلت محاولا طمأنة نفسي بقدر ما اطمئنه " هناك حافلة واحدة فقط تمر من هنا ..لذا لا بد ان تكون هي "


" هل اعتدت ان تأخذ هذه الحافلة لما كنت ترتاد الثانوية " سألني بن عمي


" نعم ، هذا صحيح "


" هل احببت المدرسة ؟ "


"ليس تماما .." قلت " لكنني استطيع رؤية أصدقائي هناك وايضا لم تكن بعيدة "


بن عمي فكر في ما قلته له .


"هل ما زلت تراهم ؟"


" لا .. لقد مر وقت طويل على ذلك "


قلت ذلك مختارة كلماتي بعناية


"لأننا نعيش بعيدا جدا عن بعض " هذا لم يكن السبب الحقيقي لكني لم استطع ان افكر في اي سبب اخر يشرح ذلك .


على يميني كان يجلس مجموعة من المسنين ، حوالي الخمسة عشر فردا وكانوا هم سبب زحام الحافلة  لاحظت فجاة انهم كلهم كانت الشمس قد لوحت بشرتهم حتى ان المكان خلف اعناقهم كان اسمر ،وكل واحد فيهم كان هزيل الجسم ، معظم الرجال كانوا يرتدون تي-شرت ثخينا كالذي يلبس لتسلق الجبال النساء ببساطة كن يرتدين بلوزات عادية ،  وكلهم كانوا يحملون حقائب ظهر صغيرة وضعوها في حجرهم ، تلك الحقائب التي تأخذها معك في نزهة على التلال ، كان منظرهم جميلا وكيف كانوا يبدون ، مثل درج ممتلئ بعينات لأشياء مختلفة ، كانوا مصطّفين بدقة ،الشيء الغريب هو انم لم يكن هناك أي طريق لتسلق الجبال في خط سير هذه الحافلة .اذن الى اين هم ذاهبون هكذا ؟؟ فكرت في هذا وانا واقفة اتشبث في حزام التشبث في الحافلة دون ان احظى بتفسير معقول .


"أتساءل  ان كان سيؤلم هذه المرة ...العلاج ؟" سألني قريبي .


"لا ادري " قلت "لم اسمع عن اي تفاصيل حول الامر "


"هل ذهبت مرة لدكتور مختص بالأذن ؟"


هززت راسي نافيا . لم اذهب قط الى دكتور مختص بالأذن في حياتي .


" هل آلمك العلاج من قبل ؟" سألت


" ليس تماما "


قال قريبي بغموض " هناك الم بالطبع ، احيانا يؤلم قليلا .... لكن ليس بشكل رهيب "


" ربما هذه المرة ايضا سيكون كذلك ، امك قالت انهم لن يفعلوا اي شيء خلاف العادة "


" لكن ان كانوا يفعلون كالعادة دائما كيف سيحسن ذلك علاجي ؟"


" حسنا ، لا تدري ..احيانا تحدث اشياء لا نتوقعها "


" هل تقصدين مثل سحب سدادة الفلين ؟" قال قريبي ،تفرست في وجهه لكن لم يبدي اي اثر للسخرية


" ستتعالج عند طبيب اخر . واحيانا مجرد اختلاف بسيط في الاجراءات يصنع كل الفرق لا اريدك ان تستسلم للفشل بسهولة "


" لن استسلم للفشل "قال قريبي


" لكن اظن انه تسلل اليك البعض منه ؟"


" اعتقد " قال واومأ "الخوف هو اسوأ شيء ،الالم الذي اتخيله اسوأ من الالم الحقيقي ، هل تفهمين ما اقصده ؟"


"نعم ..افهمك "


العديد من الاشياء حصلت هذا الربيع ، حدث مشكل في العمل لذا غادرت العمل في شركة اعلانية صغيرة بطوكيو اين كنت اعمل لعامين ..وخلال نفس الوقت انفصلت عن  صديقتي التي كنت اواعدها منذ المدرسة الثانوية ..شهر بعد ذلك جدتي توفيت بسرطان الامعاء ..و لاول مرة منذ خمس سنوات عدت الى هذه المدينة بحقيبة صغيرة في يدي ..غرفتي القديمة كانت تماما كما تركتها ..الكتب التي قرأتها مازالت في الرف ..سريري مزال هناك .. مكتبي ..وكل الاشرطة التي كنت استمع اليها .لكن كل شيء في الغرفة كان قد جف وحال لونه وفقد رائحته ..الزمن فقط ما بقي ولا يزال .


كنت قد خططت للعودة لطوكيو بعد عدة ايام من جنازة جدتي لأجل البحث عن عمل جديد ، وكنت افكر في الانتقال الى شقة اخرى ، ايضا كنت احتاج الى تغيير الجو ..في الايام الماضية ..افكر.. يبدو انه كان هناك الكثير من المشاكل ترهق كاهلي ..كي نكون واضحين حتى لو اردت ان اتركها وراء ظهري وامضي لم استطع ذلك ..لقد امضيت وقتي منعزلا في غرفتي القديمة استمع الى هذه الشرائط اعاود قراءة الكتب القديمة ..احيانا اخرج لإزالة الاعشاب الضارة في الحديقة وتشذيبها ..لم اقابل احدا ..والبشر الوحيدون الذين كنت اتحدث اليهم كانوا افراد عائلتي .


.و أحد الايام عمتي قدمت لغرفتي وسألتني ان كان بامكاني مرافقة بن عمي الى مستشفى جديد ...كان عليها ان تأخذه بنفسها ..لكن احيانا يكون الموعد في يوم لا يمكنها ان ترافقه ..المستشفى كان بالقرب من ثانويتي القديمة لذا فقد كنت اعرف مكانه ..و لأنني لا املك اي شيء لأفعله ..لم اكن استطيع الرفض ..اعطتني عمتي ظرفا فيه بعض النقود لأجل غدائنا انا وابن عمي .


ذهابنا للمستشفى الجديد كان لان العلاج في القديم لم يجدِ شيئا . الحقيقة انه زاد الطين بلة ..وعندما اشتكت عمتي ذلك للطبيب قال ان المشكل يتعلق بمحيط الطفل اكثر منه تعلقا بالامور الطبية ..والاثنان وافقا على ذلك...لا يتوقع المرء ان تغيير المستشفى يمكن ان يحسن من وضع اذنه .لم يقل احد ذلك ..كانا قد فقدا الامل ان يتحسن سمعه اكثر من اي وقت مضى .


قريبي يعيش بالجوار ..لكنني اكبر منه بعقد كامل ..ولسنا كما يقال مقربين ..لما يذهب اقاربنا معا ..اقوم باصطحابه الى مكان ما او العب معه ، لكن هذا ما كان بيننا ..رغم ذلك ومن مدة بدا الجميع يرى انني وبن عمي ثنائي  ...يفكرون انه متعلق بي وانني افضله على غيره ..لزمن طويل لم افهم لم يعتقدون هذا .الان وانا ارى الطريقة التي يُميل بها راسه و يقرب اذنه اليسرى لي ..هذا اثر فيَّ جدا .مثل صوت مطر سمعته من مدة طويلة .هذا الامر ضرب على وتر حساس مني هكذا بدأت افهم لما عائلتنا تريدنا ان نكون معا .


كانت الحافلة قد مرت بسبع او ثماني محطات عندما نظر الي بن عمي بنفاد صبر : " هل مازالت بعيدة جدا ؟"


" نعم ، مزال القليل .. انه مستشفى كبير .. لذا لن نفوّته "


فجأة دخلت هبة ريحٍ من النافذة المفتوحة وبلطف حركت حواف قبعات الرجال المسنين واوشحتهم التي حول العنق ..من هؤلاء الناس ؟؟ والى اين يتوجهون ؟


" هل تنوي العمل في شركة ابي ؟ "سال ابن عمي .


التفت اليه متفاجأً... ابوه؟، عمي يدير شركة كبيرة للطباعة في كوبي .لم افكر في ذلك مطلقا ..ولم يلمح لي اي احد من قبل بذلك .


"لم يقل احد شيئا عن ذلك " قلت " لم تسأل ؟ "


خجل ابن عمي ورد " لقد فكرت انه ربما تريد ذلك " اضاف " لكن لم لا ؟لن تضطر للمغادرة . والجميع سيكون سعيدا " .


.رن الصوت المسجل يعلن المحطة القادمة لكن لا احد رن جرس التوقف ولا احد ايضا كان واقفا في المحطة ينتظر الحافلة .


" لكن هناك بعض الاعمال علي القيام بها ، لذا علي العودة لطوكيو " قلت بينما أومأ ابن عمي بصمت


لم يكن هناك اي عمل اقوم به في طوكيو ، لكني ايضا لا احبذ البقاء هنا .


عدد المنازل بدا يتضاءل لما ارتقت الحافلة في المنحدر الجبلي، فروع الاشجار الثخينة كانت تلقي بضلالها على الطريق مررنا ببعض المنازل التي تبدو اجنبية التصميم مصبوغة ومحاطة بجدران صغيرة في مقدمتها ...


النسيم المنعش والبارد يبدو طيبا ..كل مرة كانت الحافلة تجتاز منعطفا كان البحر يبدو في المشهد ، ثم اختفى ، ثم وصلت الحافلة للمستشفى نزلنا انا وابن عمي فقط واستدرنا نرى المناظر التي حولنا .


"الفحص سيستغرق بعض الوقت ، ويمكنني ان اعتني بنفسي " قال بن عمي " لذا لما لا تذهب وتنتظرني في مكان ما ؟"  بعد ان حيينا الطبيب خرجت من غرفة الفحص وذهبت للكافيتريا لم اكن بالكاد قد فطرت وكنت اتضور جوعا ..لكن لم يكن هناك شيء في القائمة يثير شهيتي ..لذا فقد رضيت اخيرا بكوب قهوة .


كنا في صباح احد ايام الاسبوع كنت انا في الكافتيريا وعائلة صغيرة قد اخذنا أماكننا ..كنت اراقبهم الاب كان في منتصف الاربعينيات يلبس بيجاما زرقاء داكنة و مخططة ، الام و توأمان من الفتيات صغيرتان قدمتا لتشتريا تذكرة .التوأمان كانتا ترتديان نفس الفستان الابيض وكانتا منحنيتان على الطاولة ، كانت نظراتهما تعبر عن الجدية ، والجميع :الابوان والطفلتين كانوا يبدوا انهم يشعرون بالملل .


خارج النافذة كان هناك عشب ، و الة رش تدور باستمرار ترش العشب برذاذ فضي ، زوج من الطيور طويلة الذيل عبرت بسرعة فوق الة الرش واختفت ..خلف العشب كان هناك عدة اماكن للعب التنس هُجرت والشباك تلاشت ، وراء ملاعب التنس كان هناك صف من شجر الدردار ومن خلال اغصانها يمكنك ان تلمح البحر ، شمس الصيف ظهرت من خلال الغيوم وانعكست اشعتها على الموجات الصغيرة ، نسيمٌ عليل كان يداعب اوراق شجر الدردار .


اشعر وكاني شاهدت هذا من قبل ..عدة اعوام من قبل ..هذه الساحة الواسعة من العشب ،  الفتاتان التوامان تعبّان عصير البرتقال ، الطيران طويلي الذيل اللذان يطيران الى اين يعلم الله ..ساحات التنس التي فقدت شباكها ، البحر من خلفها ... لكنه كان توهما فحسب ، لقد كان مشهدا واقعيا بما فيه الكفاية ..احساس كثيف بانه واقعي ..لكنه كان رغم ذلك وهما ليس الا لأنني لم اتي الى هذا المستشفى ابدا من قبل ..


مددت ساقي خارج مقعدي ..اخذت نفسا عميقا ..اغلقت عيناي ..في الظلام كنت استطيع رؤية كتلة صغيرة بيضاء ، وبهدوء يزداد حجمها وتمتد ثم تتعقد كأنها ميكروب تحت المجهر ..تغير شكلها ..تمتد تتبعثر تعاود تشكيل نفسها .


كانت قد مرت ثمان سنوات لما ذهبت الى المستشفى الاخر ..مستشفى صغير بجوار البحر ..كان كل ما يمكنك رؤيته من خلال النافذة هو بعض اشجار الدفلى ، كان مجرد مستشفى ... وكانت رائحته كتلك الرائحة التي تشمها عند المطر ،صديقةُ صديقي كانت قد اجرت عملية على قفصها الصدري هناك ..وكلانا ذهب للاطمئنان عليها ..ذلك الصيف من سنتنا في الثانوية .


لم تكن عملية بمعنى الكلمة ...الحقيقة انه قاموا بتصحيح وضعية احد ضلوعها الذي كان منحنيا الى الداخل قليلا ..لم تكن حالة طارئة ..كان فقط ذلك  النوع الاشياء التي يتوجب على المرء فعلها ..لذا فانها ارادت ان تقوم بها وحسب ..العملية نفسها كان سريعة لكنهم ارادوا ان تستريح قليلا يتابعوا حالتها  لذا بقيت في المستشفى لعشرة ايام ..صديقي وانا ذهبنا الى هناك معا فوق دراجة نارية من نوع 125cc Yamaha قاد صديقي لما كنا ذاهبين لكن طريق العودة قدت انا ..كان قد طلب مني ان ارافقه " يستحيل ان اذهب لوحدي هناك .." قال لي.


صديقي توقف عند محل حلويات بالقرب من المحطة واشترى علبة شكولاتة كنت اشد على حزامه بيد واحكم قبضتي على العلبة باليد الاخرى ..كان يوما حارا وقمصاننا كانت مبتلة ..ثم جففها نسائم الريح ولما كان صديقي يقود غنى اغنية ما بصوت فظيع ، لا ازال اتذكر رائحة عرقه ..ثم لم يمض الكثير من الوقت على هذا ثم توفي .


صديقته كانت ترتدي بيجاما زرقاء وثوب رقيق يصل حتى ركبتها ، جلسنا سويا على طاولة في كافيتريا .ندخن السجائر ونشرب الكوكا وناكل الايس كريم ، هي كانت تتضوع جوعا واكلت كعكتين من الدونات المحلّى وشربت شراب الكاكاو مع طن من الكريم داخله هذا ولم يبدو كافيا لها .


" بهذا الشكل لما تخرجين من هنا ستكونين بحجم المنطاد !"  قال صديقي بشكل جاف نوعا ما .


"انا بخير انني اتعافى .."ردت هي .ماسحة رؤوس اصابعها التي تلطخت بالزيت من كعك الدونات .


ولما كنا نتحدث لمحت النافذة حيث يوجد خارجا اشجار الدفلى ....كانت اشجارا كبيرة ربما كانت لتشكل غابة حتى ..استطيع ان اسمع صوت الامواج ايضا ..السلالم بقرب النافذة كانت صدئة تماما بفعل النسيم البارد والندي الذي يهب دائما من خلالها ..


مروحة السقف القديمة كانت تعيد بث الحرارة ..وجو رطب كان يغلف الغرفة .الكافيتريا نفسها كانت برائحة المستشفى .حتى الطعام والمشروبات كانت بنفس الرائحة ..بيجاما الصديقة كانت تحوي جيبان في الاعلى ..في احداهما قلم ذهبي اللون صغير . وكلما انحنت قليلا الى الامام كنت ارى صدرها الابيض من خلال الياقة .


ذكرياتي توقفت هنا ..حاولت ان اتذكر ما الذي  حدث بعدها ..شربت الكولا ..حدقت في اشجار الدفلى ..اختلست نظرة لصدرها ..ثم ماذا ؟؟ حركت كرسيّ قليلا حاولت الحفر اعمق في طيات الذاكرة مثلما انتزع سدادة فلين بسكين بيضاء حادة .


حدقت في اتجاه واحد وحاولت ان اتخيل الاطباء يشقون لحم صدرها ..يولجون ايديهم بقفازاتها البلاستيكية ويصلحون ضلعها الاعوج ..لكن هذا كله بدا لي جد سوريالي ..كنوع من الرمزية ..


هذا صحيح !  بعد هذا تكلمنا حول الجنس ..على الاقل صديقي من تحدث ..لكن ما الذي قاله ؟ شيء ما عني بلا شك ..كيف اني حاولت دون ان انجح بفعلها مع فتاة ..لم تكن قصة كبيرة ..لكن الطريقة التي روى بها ذلك ..طريقة امدت الاشياء حياةً اخرى ..جعل صديقته تنفجر ضحكا ..حتى انا ايضا ضحكت ..هذا الرجل يعرف –فعلا- كيف يروي قصة..


" من فضلك لا تدعني اضحك " قالت متألمة قليلا .. " صدري يؤلمني لما اضحك " ..


" اين يؤلم ؟" قال صديقي .


وضعت يديها  على البيجاما فوق قلبها ..بالضبط فوق نهدها الايسر ..كانت تعابث صديقها ..ومن ثم فقد ضحكت مجددا ..


نظرت لساعتي .كانت الحادية عشر وخمس واربعون لكن بن عمي لم يعد بعد ..كان الوقت يقترب من وقت الغداء و بدا الناس يرتادون الكافيتريا ..كل انواع الاصوات والكلام اختلطت معا كدخان يغلف الغرفة .


عدت مرة اخرى الى مملكة ذكرياتي ..والى ذلك القلم الذهبي الصغير الذي كان في جيب البيجاما العلوي .


...الان انا اتذكر .. استعملت هي القلم لكتابة شيء على المنديل الورقي .


كانت ترسم صورة ، المنديل الورقي كان ناعما جدا ..وراس القلم كان يعلق احيانا ..برغم ذلك رسمت تلة وبيتا صغيرا فوق التلة ..و امرأة كانت تنام في المنزل ..البيت كان محاطا بشجر الصفصاف اعمى وكان هذا الصفصاف هو الذي جعل المرأة تنام .


" ما هذا .شجر صفصاف اعمى ؟"


" هناك نوع من الاشجار مثل هذا "


"لم اسمع به من قبل "


"هذا لأنني انا من خلقه " قالت وهي تبتسم .." الصفصاف الاعمى يحمل الكثير من حبوب الطلع ، و ذباب صغير  مغطى بهذه الحبوب تزحف داخل اذنها وتجعل المرأة تنام "


اخذت منديلا ورقيا اخر ورسمت صورة لصفصاف عمياء .كانت بحجم شجرة الازاليا الان ..الشجرة كانت مزهرة والازهار كانت محاطة بأوراق خضراء غامقة مثل مجموعة من ذيول السحالي تجمعت على غصن ..الصفصافة العمياء لم تبدو ابدا كصفصافة على الاطلاق .


" هل اخذت سيجارتك " ؟سألني صديقي ..مررت له علبة السجائر والثقاب .


" الصفصافة العمياء تبدوا صغيرة من الخارج لكنها تمتلك جذورا عميقة جدا "


شرحت الفتاة .


" الحقيقة انه بعد مرحلة ما .. تتوقف عن النمو ثم تغرس جذورها اكثر واكثر في التربة ..كأنها تتغذي من الظلمة "


" ثم يحمل الذباب حبوب اللقاح ويضعها في اذنها ..عميقا ..جاعلا اياها تنام " ..اضاف صديقي جاهدا في محاولته لإشعال سيجارة بالثقاب المعطوب .." لكن ما الذي سيحدث للذباب ؟"


" يبقى داخل المرأة ..يتغذى على لحمها ..بالطبع " قالت صديقته


"يلتهمونها تماما " قال صديقي .





اتذكر الان كيف انه في ذلك الصيف كتبت قصيدة طويلة حول الصفصافة العمياء و شرحت ذلك لكلينا ..كان هذا هو العمل المنزلي الوحيد الذي قامت به ذلك الصيف ..القصيدة مبنية على حلم راته ذات ليلة ..ولأنها كانت ممددة في السرير لأسبوع ..كتبت هذه القصيدة الطويلة ..صديقي قال انه يود قرائتها ..لكنها كانت ماتزال تعيد مراجعتها ..لهذا لم تسمح له بذلك ..و بدل هذا رسمت هذه الرسومات كي تلخص لنا الفكرة ككل .


شاب يصعد للتلة كي ينقذ المرأة التي جعلتها حبوب الصفصاف العمياء تخلد للنوم ..


" هذا بالتأكيد انا " قال صديقي ..


ضربت راسه " لا ..انه ليس انت "


" حقا ؟"


" اجل "  قالت ونظرة جادة على محياها " لا اعلم كيف اعرف هذا ..لكني اعرفه ..انت لست غاضبا صح ؟"


" بلى انا كذلك " قال صديقي عابسا ونصف ساخر .


الشاب شق طريقه من خلال اشجار الصفصاف العمياء التي كانت كثيفة ..مما اخر الشاب وجعله يبطء في صعود التلة ..كان اول من يأتي للتلة بعد ان احتلتها شجر الصفصاف ..سحب قبعته لأسفل مغطيا عينيه هاشا بيده الاخرى اسراب الذباب التي تحوم حوله ..الرجل الشاب استمر بارتقاء التلة ..ليرى المرأة النائمة ، ليوقظها من نومها الطويل والعميق.


" لكن في الوقت الذي يكون فيه قد وصل لأعلى التلة ..جسد المرأة سيكون قد تم التهامه بالفعل ..صح ؟" قال صديقي


"بشكل ما ..نعم " ردت الفتاة .


" لما يكون الذباب قد التهم المرأة تماما ذلك يجعل القصة حزينة .. صح ؟"


قال صديقي .. " نعم ، اعتقد ذلك " قالت بعد ان فكرت قليلا .." ما هو رأيك ؟" سألتني


" تبدو فعلا قصة حزينة بالنسبة لي ايضا "رددتُ.


كانت الثانية عشر وعشرون دقيقة لما عاد بن عمي ....كان يحمل كيسا صغيرا للأدوية ونظرة شرود على وجهه ..بعد ان اجتاز مدخل الكافتيريا استغرق بعض الوقت كي يجد مكاني وينضم الي ..كان يسير بارتباك ..كانه لا يستطيع ان يحافظ على توازنه جلس مقابلا لي ..وكانه كان مشغولا جدا كي يتذكر ان يتنفس ...اخذ نفساً عميقا ..


" كيف مر الامر ؟" سألت


" اممممم" ..غمغم.. انتظرت كي يقول اكثر ..لكن لم يقل شيئا ..


"هل انت جائع ؟" سألت مجددا


اومأ برأسه بصمت .


" تود ان تأكل هنا ..او تود ان نأخذ حافلة للمدينة وناكل هناك " ؟


القى نظرة متشككة حول الغرفة " لا بأس بالمكان هنا "


اشتريت تذكرتي غداء وطلبت غداء لكلينا ......ولما كان الطعام بطريقه الينا القى ابن عمي نظرة على النافذة ..على نفس المنظر الذي كنت انظر اليه ..البحر ..صف شجر الدردار والمرشة .


على الطاولة التي كانت بجانبنا ..كان هناك زوجان في منتصف العمر يرتديان لباسا جيدا ..كانا يأكلان السندويتش ويتحدثان عن صديق لهما اصيب بسرطان الرئة ..كان قد ترك التدخين منذ خمس سنوات من قبل لكن الوقت كان متأخرا على ذلك ..كيف كان يبصق دما عندما يستيقظ صباحا ..الزوجة كانت تطرح الاسئلة والزوج كان يجيب ..بمعنى ما ، شرح الزوج :يمكن ان تري حياة الشخص بأكملها من خلال نوع السرطان الذي حصل عليه .


كان غدائنا يتكون من شرائح لحم وسمك مقلي ..سلطة و خبز ..جلسنا هناك ..مقابلين بعضنا البعض ..ناكل بصمت ..وطول الوقت الذي كنا ناكل فيه كان الزوجان الجالسان بالقرب منا يثرثرون ويثرثرون حول كيف يبدأ السرطان ..وكيف ان نسبة السرطان ترتفع ..وكيف انه لا يوجد علاج له .


" اينما تذهب ، نفس الشيء " قال بن عمي بنبرة سطحية وهو يحدق في يديه ." نفس الاسئلة القديمة ، نفس الاجراءات " .


كنا نجلس على مقاعد الانتظار امام المستشفى ..ننتظر الحافلة ..وكل هنيهة كان النسيم يطير بعض الاوراق الخضراء حولنا .


" احيانا انت لا تسمع شيئا على الاطلاق ؟" سالته .


" نعم هذا صحيح " .اجاب بن عمي . " لا اسمع البتة " .


" كيف تشعر لما يحدث هذا ؟"


اومأ برأسه لجهة واحدة وفكر بالأمر .. " فجأة لا يمكنك سماع شيء ..لكن هذا سيأخذ منك فترة كي تعرف ما الذي حصل ..ثم لا يمكنك سماع شيء ..انه يشبه ان تكون في عمق البحر مرتديا سدادات اذن ..هذا يستمر لمدة ..طول الوقت لا يمكن ان تسمع اي شيء ..لكن ليس اذناك فقط ..ان لا يمكنك السماع هو فقط جزء من ذلك ."


"هل يزعجك حدوثه ؟"


هز راسه نافيا الامر ..هزة قصيرة وجازمة .." لا اعلم لما .. لكنه لا يزعجني بذلك القدر ..طبعا هو غير مريح الا تستطيع سماع شيء ..انا احاول احتواء الامر ..لكني لا استطيع ذلك ..هل قمت بمشاهدة فلم جون فرود . Fort Apache ؟


سألني بن عمي .." منذ مدة طويلة جدا " قلت .


"لقد عرضوه في التلفاز مؤخرا .انه فلم جيد فعلا " .


"اممم " ..اكدت له .


" في بداية الفلم هناك الكولونيل الجديد التي اتى للقلعة من الغرب ..الكابتن المخضرم استقبله عند قدومه ..لعب دور الكابتن جون واين ..الكولونيل لا يعرف الكثير حول الامور كما كان في الغرب ..وكان هناك تمرد هندي حول تلك القلعة ".


ابن عمي اخرج منديلا ابيضا مطويا بعناية من جيبه ومسح فمه .


" لما يأتي للقلعة يقول الكولونيل لجون واين : لقد رأيت عدة هنود بالقرب من هنا " وجون واين بتلك السحنة الجميلة على وجهه يرد " لا تقلق ..اذا كان بإمكانك ان تقضي على بعض الهنود ..هذا يعني انه لا يوجد اي منهم هناك " ..انا لا اتذكر الخطوط العامة للفلم ، لكنه شيء كهذا ..هل فهمت ما الذي كان يقصده ؟"


لم استطع تذكر هذه الجزئية من الفلم ..لقد بدت لي جزئية غامضة من فلم لجون فورد .. كان قد مرت فترة طويلة منذ شاهدت الفلم .


"اعتقد انه يعني ان اي شيء يمكن ان يراه اي احد ليس بالأمر المهم جدا ...اعتقد "


رد بن عمي " ولا انا فهمتها تماما ايضا .. لكن كل مرة يتعاطف فيها احد معي لأجل اذني ..هذه الجزئية اتذكرها .." ان كان في مقدرتك القضاء على بعض الهنود ، ذلك يعني انه لا يوجد منهم اي هندي هناك " ..


ضحكت.


" هذا غريب صح ؟" سال بن عمي .


"نعم " قلت وانا اضحك ثم ضحك هو ايضا .. لقد مرت مدة طويلة منذ رايته يضحك ..


بعد هنيهة قال بن عمي ..كما ولو انه يتخلص من حمل ثقيل " هل بإمكانك ان تلقي نظرة على اذني من اجلي ؟"


" انظر داخل اذنك ؟" قلت مندهشا بشكل ما .


" فقط ما يمكنك رؤيته من الخارج"


"حسنا لكن لما تريدني ان افعل هذا " ؟


"لا ادري " خجل ابن عمي قليلا " اودك فقط ان ترى كيف يبدوان "


"حسنا " قلت .."سألقي نظرة "


قريبي جلس مقابل لي مائلا بأذنه اليمنى نحوي ..كان يملك اذنا حسنة التكوين فعلا . كان حجمها لطيفا وصغيرا الان ان شحمة الاذن كانت منتفخة  ككعكة مادلين طازجة ، لم انظر من قبل بهذا التمعن في اذن احد ما ..لكن عندما تبدا بالنظر اليها عن قرب ، الاذن البشرية –بنيتها – شيء رائع وساحر فعلا ..مع كل هذه الالتواءات العشوائية التي تكونها .الانخفاضات والارتفاعات .ربما التطور صنع هذا النظام كي يتيح نظاما مثاليا لجمع الاصوات، او لحماية البنية الداخلية ..محاطا بهذا الجدار اللامنتاظر يبدو ثقب الاذن كمدخل كهف سري مظلم .


تخيلت ان صديقة صديقي ، ذباب صغير جدا يتوغل في اذنها . وسيقان الذباب الصغيرة دبقة بحبوب الطلع ، يتوغلون في داخلها المظلم و الدافئ ، ممتصين كل العصير ، واضعين بيضهم الصغير داخل دماغها ، لكنك لا تستطيع رؤيته او حتى سماع صفقان اجنحتها .


"هذا يكفي " قال قريبي .


ابتعد قليلا واستدار في كرسيه كي اتمكن من رؤية الاذن الاخرى ." اذن ..هل ترى اي شيء جديد ؟ "


" لا شيء مختلف حسب ما يبدو لي ..هناك في الخارج على الاقل "


" اي شيء يمكنك رؤيته او حتى ما الذي تحس به "


" اذنك تبدو لي عادية "


بدا قريبي خائب الامل ..ربما قد تلفظت بشيء خاطئ.


'هل آلمك العلاج ؟" سالته .


" لا .لم يؤلمني ..انه العلاج المعتاد دوما ..دوما يحومون حول نفس النقطة ..احس احيانا انهم سينزعونها من مكانها ..لذلك احيانا اشعر انها ليست اذني "


"انها الرقم ثمان وعشرون " قال بن عمي بعد برهة ..ملتفتا الي " انها حافلتنا ..صح ؟"


كنت شاردا ..و رأيت الحافلة لما اخبرني عنها تتباطأ لتستدير وتخرج من المنحدر ..انها ليس من نوعية الحافلات الجديدة التي ركبناها بل القديمة التي اتذكرها ، رقم 28 كان في اعلى واجهة الحافلة .حاولت ان انهض من الكرسي لكني لم استطع ..كما لو كنت عالقا في تيار قوي ..اطرافي لم تستجب .


كنت افكر في علبة الشوكولا التي اخذناها معنا لما كنا ذاهبين الى المستشفى تلك الظهيرة الصيفية منذ فترة طويلة. الفتاة فتحت بسعادة غطاء العلبة لتجد ان عشرات قطع الشوكولا الصغيرة قد ذابت تماما .كانت قد التصقت بالحواف وبغطاء العلبة نفسه .في طريقنا للمستشفى كنا قد ركنا الموتوسيكل على الجانب الذي يطل على البحر .تسكعنا حول الشاطئ ونحن نتحدث .كل الوقت الذي تركنا فيه علبة الشوكولا تحت شمس اوت الحارقة ، لامبالاتنا وعدم اهتمامنا  قضوا على هذه القطع من الشوكولا. صانعة قطعة فوضوية واحدة من الشوكولا ..كان يجب ان نعرف ما الذي حصل .احد منا -ليس من المهم من منا- كان عليه ان يقول شيئا ما ..لكن في تلك الظهيرة  لم نشعر باي شيء .


فقط تبادلنا نكات سخيفة وودعنا بعضنا ..ثم غادرنا هذا التل الممتلئ بشجر الصفصاف الاعمى .


قريبي تشبث بذراعي الايمن بقوة .


" هل كل شيء على ما يرام ؟ " سألني .


كلماته عادت بي للواقع ..فنهضت من على الكرسي ..هذه المرة لم اجد مشكلة في النهوض ..مرة اخرى كنت احس بلمسة نسيم ماي على بشرتي ..لبضع ثوانِ كنت اقف في مكان مظلم وغريب ارى اشياء لا توجد اطلاقا .. وافعال لم تحدث مطلقا ..اخيرا فكرت .. الحافلة رقم 28 توقفت امامي ..الباب الحقيقي للحافلة انفتح امامي ..ارتقيت الحافلة ..ذهبت لمقعد اخر ..ربتت يدي على كتف بن عمي ..


"انا بخير " قلتُ له .



 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من اليابانية للانجليزية : فيليب غابرييل


من الانجليزية للعربية : يونس بن عمارة



 لتحميل القصة بشكل pdf


 

http://ge.tt/2pRoH4s1/v/0?c




تُرجمت هذه القصة في اطار مشروع دار الزنبقة للنشر الالكتروني الحر والترجمة لترجمة المجموعة القصصية (الصفصافة العمياء المراة النائمة ) لهاروكي موراكامي .


تُرجمت لحد الان اربع قصص .الترجمة مازالت جارية وكل مرة نصدر قصة .للمتابعة تابعونا على الفيسبوك وعلى مدونة يونس بن عمارة .



روابط :


http://goo.gl/MwWjUo

السبت، 7 يونيو 2014

1Q84 | هاروكي موراكامي/ترجمة: أسامة منزلجي -الفصل الأول-



[caption id="attachment_152" align="aligncenter" width="195"]غلاف رواية1Q84 غلاف رواية1Q84[/caption]

1Q84| هاروكي موراكامي/ترجمة: أسامة منزلجي





[سُئل موراكامي: لماذا Q وليس 9؟ فقال لأنَّ لفظ رقم تسعة باليابانية هو "كيو" أوQ ]


الفصل 1


أومامه


لا تدع المظاهر تخدعك


   كان مذياع سيارة الأجرة مضبوط على بث للموسيقى الكلاسيكية على أثير موجة الإف إم. مقطوعة سينفونييتا للمؤلِّف ياناتشيك – لعلها ليست الموسيقى المثالية للاستماع إليها في سيارة أجرة عالقة وسط حركة المرور. ولم يبدُ أيضاً على السائق الذي يبلغ منتصف العمر أنه يُصغي بانتباه. حدَّقَ أمامه مباشرة، وفمه مُحكم الإغلاق، إلى الطابور الذي لا نهاية له من السيارات الممتد على خط القطار المرفوع، كصياد سمك متمرس يقف في مقدمة قاربه، يدرس الالتقاء المشئوم لتيارّين. وأومامه ترتاح على المقعد الخلفي الوثير، مُغمضة العينين، تُصغي إلى الموسيقى.


   كم من الناس يستطيعون التعرُّف إلى سينفونييتا ياناتشيك بعد سماع النغمات القليلة الأولى منها ؟ لعلهم بين "القِلَّة القليلة" و "لا أحد تقريباً". ولكن لسببٍ ما، كانت أومامه واحدة من القِلّة التي تعرفها.


   ألَّفَ ياناتشك سيمفونيته الصغيرة في عام 1926. في الأصل كان قد ألَّفَ الافتتاحية كمقطوعة خفيفة من أجل مهرجان للألعاب الرياضية. وتخيّلتْ أومامه تشيكوسلوفاكيا عام 1926: كانت الحرب العالمية الأولى قد انتهت، وتحرَّر البلد من حكم سلالة هابسبرغ الطويل الأمد. وبينما الناس يستمتعون بفترة من السلام بزيارة قلب أوروبا، كانوا يشربون بيرة بيلسنر في المقاهي ويُصنّعون بنادق رشّاشة خفيفة وأنيقة. وقبل ذلك بعامَين، كان فرانز كافكا قد رحل، في غموض تام، مُخلِّفاً العالم وراءه. وقريباً سوف يبرز هتلر من المجهول ويلتهم هذا البلد الصغير والجميل في لمح البصر، ولكن في تلك الأثناء لم يكن أحد منهم يعلم المصاعب التي تنتظرهم. لعل هذا أهمّ افتراض كشف التاريخ عنه اللثام : " في ذلك الوقت، لا أحد كان يعلم ما الذي سوف يحدث ". تخيّلت أومامه، وهي تُصغي إلى موسيقى ياماتشيك، الرياح العليلة تنساب على سهول بوهيميا وفكّرتْ في تقلّبات التاريخ.


   في عام 1926، توفي إمبراطور اليابان تيشو، وتغيَّر اسم الحقبة وأصبح شوا. كانت أيضاً بداية فترة سوداء، رهيبة  في هذا البلد. كان فاصل الحداثة والديموقراطية القصير ينتهي، فاسحاً الطريق للفاشيّة.


   كانت أومامه تحب التاريخ بقدر حبّها للألعاب الرياضية. ونادراً ما كانت تقرأ الأدب، أما كتب التاريخ فكان يمكن أنْ تنهمك في قراءتها على مدى ساعات طويلة. وما كان يُعجبها في التاريخ هو أنَّ وقائعه كلها ترتبط بتواريخ وأماكن معيَّنة. ولم تجد أية صعوبة خاصة في تذكُّر التواريخ المُحدّدة. وحتى إنْ لم تحفظها عن ظهر قلب، فإنها حالما تحيط بعلاقة حدث ما بزمنه وبالأحداث السابقة له واللاحقة، تتذكّر التاريخ تلقائياً. وخلال المرحلتين الدراسيتين الوسطى والعليا، كانت دائماً تنال العلامة العليا في امتحان مادة التاريخ. كان يُحيّرها أنْ تسمع أحدهم يقول إنه يجد صعوبة في حفظ التواريخ. كيف يمكن لشيء شديد البساطة أنْ يُشكّل مشكلة لأحد ؟


   كان اسمها الحقيقي " أومامه ". وجدّها لأبيها ينحدر من بلدة جبلية أو قرية مغمورة في ولاية فوكوشيما، التي يُفترَض أنَّ فيها عدداً من الأشخاص يحملون هذا الاسم، ويُكتَب بالأحرف نفسها بالضبط للكلمة التي تعني " بازلا خضراء " وتُلفَظ بالمقاطع اللفظية الأربعة نفسها " أه – أو – ما – مه ". لكنها لم تزُر ذلك المكان أبداً. كان والدها قد قطع كل صِلة له بالعائلة قبل أنْ تولد، كما كانت أمها قد فعلتْ مع عائلتها، لذلك هي لم تقابل أياً من جدَّيها. لم تكن تسافر  كثيراً، ولكن في تلك المناسبات النادرة التي كانت تمكث فيها في مدينة أو بلدة غريبة، كانت دائماً تفتح دليل هاتف الفندق لترى إنْ كان هناك أي اسم لأومامه في المنطقة. لم تعثر على أي اسم، وكلما حاولت وفشلت في ذلك كانت تشعر كأنها منبوذة وحيدة في عرض البحر.


   كان دائماً يزعجها أنْ تُخبر الناس عن اسمها. فحالما يخرج اسمها من بين شفتيها تبدو الحيرة والاضطراب على الشخص الآخر.


   "آنسة أومامه؟"


   "نعم. تماماً كلفظ "بازلا خضراء" "


   كان المُستخدمون يطلبون منها أنْ تطبع بطاقات عمل، مما يزيد الطين بلّة. فيُحدق الناس إلى البطاقة وكأنني أقحمتُ تحت أبصارهم رسالة تحمل أخباراً سيئة. وعندما تُعلن عن اسمها عبر الهاتف غالباً ما تسمع ضحكاً مكبوتاً. وفي غرف الانتظار في عيادة الطبيب أو في المكاتب العامة، يرفع الناس أبصارهم لدى سماع اسمها، وقد غلبهم الفضول ليروا شكل الشخص الذي يحمل اسم "بازلا خضراء".


   بعض الناس يسمعون اسم النبات خطأً وينطقونه "إدامامه" أو "سورامامه" فتقوم هي بتصحيحه لهم : "كلا، أنا لستُ حبوب الصويا أو حبوب الفاصولياء العريضة، بل فقط بازيلا خضراء. لكنه قريب جداً من أومامه". وكم من مرة خلال سنوات عمرها الثلاثين سمعتْ التعليقات نفسها، النكات السقيمة نفسها حول اسمها ! لو أنني لم أولَد مع هذا الاسم لاختلفت حياتي كلياً. لو أنني أحمل اسماً عادياً مثل ساتو أو تاناكا أو سوزوكي، لعشتُ حياة أكثر راحة قليلاً أو لنظرتُ إلى الناس بعينين أكثر تسامُحاً بصورة ما. ربما.


    أصغتْ أومامه، مُغمضة العين، إلى الموسيقى، سامحة للتناغم الجميل للآلات النحاسية بالغوص عميقاً داخل عقلها. عندئذٍ بالذات تبدّى لها أنَّ نوعية الصوت جيدة أكثر مما ينبغي بالنسبة إلى جهاز راديو في سيارة أجرة. وعلى الرغم من أنَّ الصوت الذي يبث به المذياع الموسيقى منخفض، إلا أنَّه يتّسم بعمق حقيقيّ، والنغمات العالية كانت مسموعة بجلاء. فتحت عينيها ومالتْ إلى الأمام لتدقق النظر في ستيريو اللوحة الأمامية. كان الجهاز الأسود الحالك يشع بلمعان فخور. لم تميِّز اسم الماركة، ولكن من الواضح أنه من نوع متطور جداً، مع كثير من المقابض والمفاتيح، وأرقام المحطات الخضراء مقروءة بوضوح على اللوح الأسود. إنه نوع الستيريو الذي لا تتوقع أنْ ترى في سيارات الأجرة العادية.


   تلفّتت حولها داخل السيارة. كانت من فرط الاستغراق في أفكارها الخاصة بحيث لم تلاحظ حتى الآن أنها سيارة أجرة غير عادية. فالنوعية الراقية للزينة واضحة، والمقعد مُريح بصورة استثنائية. وفوق ذلك كله كان هادئاً جداً. لعلّ السيارة مزوّدة بنظام ممتاز لعزل الصوت لمنع تسرّب الضوضاء، كما في استوديو تسجيل الصوت المُضاد للضوضاء. ولعل السائق هو صاحب سيارة الأجرة. إنَّ العديد من السائقين الذين يملكون سياراتهم لا يوفرون في النفقات للاعتناء بسياراتهم. حرّكتْ أومامه فقط عينيها بحثاً عن بطاقة تسجيل السائق، فلم تعثر عليها. ومع ذلك لم يبدُ أنَّ هذه السيارة غير قانونية وبلا رخصة. إنَّ فيها عدّاداً قياسياً، يُسجل المبلغ المناسب : 2،150 ين حتى الآن. ومع ذلك، كانت بطاقة التسجيل التي تحمل اسم السائق لا تزال مختفية في مكان ما.


   قالت أومامه، تكلِّم ظهر السائق، "سيارة جميلة. شديدة الهدوء. ما نوعها؟"


   أجاب السائق بإيجاز "تويوتا كراون رويال صالون"


   "والموسيقى تبدو رائعة هنا"


   "إنها سيارة شديدة الهدوء. هذا أحد أسباب اختياري لها. إنَّ سيارات تويوتا تتمتع بأفضل تقنية لعزل الصوت في العالم"


   أومأت أومامه برأسها موافقة واستندت بظهرها على المقعد. كان في أسلوب السائق في الكلام شيء أزعجها، وكـأنه يحتفظ بأمر هام لا يُصرِّح به. فمثلاً (وهذا فقط مثال واحد)، تعليقه على تقنية عزل الصوت الممتازة يمكن فهمه على أنه يعني أنَّ إحدى مواصفات سيارة تويوتا أقل جودة. وكلما أنهى جملة، تتبعها غصّة صمت ذات دلالة. تلك الغصّة تحوم، حبيسة فضاء السيارة المحدود كسحابة مُصغَّرة وهمية، تُثير في أومامه شعوراً غريباً مُضطرباً.


   أعلنت أومامه، كأنما لتزيل تلك السحابة الصغيرة، " هي حتماً سيارة هادئة، ونظام الستريو استثنائي "


   قال السائق، كموظف إداري متقاعد يشرح انتصاراً عسكرياً سابقاً، " عندما اشتريته كان الحسم أمراً أساسياً. إنني أقضي وقتاً طويلاً هنا، وأريد أفضل نوعية صوت متوفرة. و – "


   انتظرت أومامه ما سيلي، ولكنه لم يُضِف شيئاً. أغمضتْ عينيها من جديد وركّزت انتباهها على الموسيقى. لم تكن تعرف شيئاً عن ياناتشيك الإنسان، لكنها كانت متيقنة من أنه لم يتخيّل يوماً أنَّ شخصاً ما في عام 1984 سوف يُصغي إلى مؤلَّفه داخل سيارة تويوتا كراون رويال صالون يشملها السكون على طريق إكسبريس متروبوليتان المرفوع والمزدحم في طوكيو.


  مع ذلك، تساءلت أومامه لماذا عرفتْ في الحال أنَّ المقطوعة هي سينفونييتا ياناتشيك ؟ وكيف عرفت أنه ألّفها في عام 1926 ؟ إنها ليست من هواة سماع الموسيقى الكلاسيكية، وليست لديها مجموعات موسيقية شخصية تتضمن مؤلفات ياناتشيك، ومع ذلك حالما سمعت النغمات الافتتاحية، ارتدّت إليها كل معرفتها بالمقطوعة كانعكاس صورة، كسربٍ من الطيور يتدفق من خلال نافذة مفتوحة. لقد منحتها الموسيقى نوعاً غريباً، موجِعاً، من الشعور. خالياً من أي ألم أو أسى، مجرد شعور بأنَّ عناصر جسمها تُنتَزَع منها. لم تكن أومامه تعلم ما الذي يجري. أيُعقل أنَّ السينفونييتا هي التي تمنحني مثل هذا الشعور الغريب ؟


   قالت أومامه بشبه وعي، " ياناتشيك "، على الرغم من أنَّه بعد أنْ خرجت الكلمة من بين شفتيها، ودّتْ لو تسترجعها.


   " ماذا قلتِ، يا سيدتي ؟ "


   " ياناتشيك. الرجل الذي ألَّفَ الموسيقى "


   " لم أسمع به قط "


   " إنه موسيقي تشيكي "


   قال السائق، وقد بدا عليه الاهتمام، " يا سلام – يا سلام "


   سألته أومامه، " هل تملك هذه السيارة ؟ "، متمنية أنْ تغيِّر الموضوع.


   أجاب السائق، " نعم "، وبعد فترة صمت وجيزة، أضاف، " كلها لي. إنها سيارتي الثانية "


   " المقاعد وثيرة جداً "


   " شكراً لك، يا سيدتي "، ثم يلتفت قليلاً باتجاهها، ويسألها، " بالمناسبة، هل أنت مستعجلة ؟ "


   " يجب أنْ أقابل شخصاً في شيبويا. لهذا طلبتُ منك أنْ تسلك الطريق السريعة "


   " ما هو موعد اجتماعك ؟ "


   قالت أومامه، " في الرابعة والنصف "


   " حسن، إنها الآن الثالثة والنصف. لن تصلي أبداً في الموعد المُحدَّد "


   " هل الزحام شديد إلى هذه الدرجة ؟ "


   " يبدو أنَّ حادثاً وقع أمامنا. هذا الزحام ليس عادياً. نحن لم نتحرك منذ فترة "


   تساءلتْ لماذا لا يستمع السائق إلى تقارير حركة المرور. كانت الطريق السريعة قد وصلت إلى نقطة الوقوف التام. ينبغي أنْ يستمع إلى التقارير الحديثة التي تبثها محطة الراديو الخاصة بسائقي سيارات الأجرة.


   سالت أومامه " هل تستطيع انْ تفهم أنه حادث دون أنْ تستمع إلى تقرير حركة المرور ؟ "


   قال بصوت عميق، " لا يمكن الوثوق منها. نصفها كذب. إنَّ شركة الطريق السريعة لا تبثّ إلا تقارير تناسب برنامج أعمالها. إنْ كنت حقاً تريدين أنْ تعرفي ما الذي يحدث هنا والآن، عليك أنْ تستخدمي عينيك وتحكمي بنفسك "


   " وحكمك يقول إننا سنعلق هنا ؟ "


   قال السائق وهو يومئ برأسه، " ولمدة طويلة أؤكد لك. عندما يشتد الزحام هكذا، تتحول الطريق السريعة إلى جحيم مُقيم. هل اجتماعك هام ؟ "


   فكّرت أومامه في الأمر قليلاً. " نعم. هامٌ جداً. يجب أنْ أقابل أحد الزبائن "


   " أمر مؤسف. لعلك لن تصلين "


   هزَّ السائق رأسه بضع مرات وكأنه يُحاول أنْ يُزيل التوتر عن عنقه المتيبِّس. تحرّك التجاعيد على قفا عنقه وكأنه مخلوق قديم. راحت أومامه تراقب الحركة وتفكّر في الشيء الحادّ في أسفل حقيبة الكتف. وشعرت بالعرق في كفّيها.


   سألت " ماذا عليّ أنْ أفعل في اعتقادك ؟ "


   " ليس في استطاعتك أنْ تفعلي أي شيء وأنت على الطريق السريعة – إلا بعد أنْ تصلي إلى المخرج التالي. لو أننا في شوارع المدينة، لاستطعتِ أنْ تخرجي من السيارة وتسلكي الطريق النفقي "


   " وما هو المخرج التالي ؟ "


   " في أيكيجيري. ولكن قد لا نصل إلى هناك قبل غروب الشمس "


   قبل غروب الشمس ؟ تخيّلتْ أومامه نفسها حبيسة سيارة الأجرة هذه حتى غروب الشمس. كانت مقطوعة ياناتشيك لا تزال تُبثّ. أصبحت الوتريات الصامتة في المقدمة وكأنما لكي تُخفِّف من قلقها المتصاعد. كان ذلك الشعور المبكّر الموجِع قد خبا إلى درجة كبيرة. فما معنى هذا ؟ "


   كانت أومامه قد استقلت السيارة بالقرب من كينوتا وطلبت من السائق أنْ يلك الطريق السريعة المرفوعة من يوغا. في أول الأمر كانت حركة المرور سلسة، ولكن فجأة ازدحمت قُبيل سانغنجايا، وبعد ذلك لم يتحركا. كانت الممرات المتوجهة إلى الخارج تتحرك بصورة جيدة. وحده الجانب المتوجه إلى قلب مدينة  طوكيو كان موزدحماً بصورة مأساوية. في المعتاد لا تزدحم الطريق السريعة الداخلية رقم 3 عند الساعة الثالثة من بعد الظهر، ولهذا السبب طلبت أومامه من السائق أنْ يسلكها.


   قال السائق، موجّهاً كلامه لمرآة مشاهدة الخلفية، " إنَّ تكاليف الزمن لا تتراكم على الطريق السريعة، فلا تقلقي بشأن الأجرة. ولكن أعتقد أنك في حاجة إلى حضور اجتماعك ؟ "


   " نعم، طبعاً. ولكن ليس في وسعي فعل أي شيء، أليس كذلك ؟ "


   يلقي نظرة سريعة إليها من خلال المرآة. كان يضع نظارات شمس باهتة اللون. وبسبب الطريقة التي ينفذ فيها الضوء، لم تتمكن أومامه من تمييز تعبير وجهه.


   " حسن، في الحقيقة، قد تكون هناك طريقة. في استطاعتك أنْ تسلكي النفق المؤدي إلى شيبويا من هنا، ولكن سيكون عليك أنْ تقومي بأمر على قدر من... التطرُّف "


   " أمر متطرِّف ؟ "


   " أمرٌ لا أنصحك صراحة بالقيام به "


   لم تقُل أومامه شيئاً. انتظرتْ سماع المزيد وهي تضيِّق عينيها...


_________________________


الفصل الأول من ثلاثية 1Q84 وهي آخر الأعمال الصادرة للروائي الياباني هاروكي موركامي.


الصورة من فيلم "حصان تورينو" للمخرج الهنغاري بيلا تار


*****


خاص بأوكسجين .


ملاحظة : موقع اوكسجين لا يظهر على المتصفح رغم ان نتائجه تطلع في غوغل لا ادري ما السبب وهذا الفصل نسخته من (نسخة مخفية ) للموقع بواسطة غوغل .


- لكل المهتمين بروائع هاروكي بالعربية . هذه الصفحة المتخصصة على الفيسبوك :[embed]http://sh.st/eSLB7[/embed]



الثلاثاء، 15 أبريل 2014

صعودُ وسقوط كعك الشِيربي "قصة قصيرة لهاروكي موراكامي "

مقدمة لطيفة عن القصة :


يولي هاروكي موراكامي اهمية كبيرة لهذه القصة تحديدا لانها وان بدت قصة عادية بالنسبة للبعض الا انها قصة رمزية حول موضوع محدد وهو 'العلاقة بين الادباء الشباب وبين المؤسسة الادبية اليابانية " طبعا وليس اليابان فحسب ،هاروكي يعبر عن كل الفنانين وعن المعركة بينهم وبين المؤسسات الرسمية التي تدعي رعاية الاداب ووضع قواعد محددة للفن .


بدايةً لا يوجد اي كعك يسمى الشيربي ، وانا ترجمتها الشيربي رغم ان الاصح "شاربي" لكن لم ارد ان يختلط على القراء العرب بين كلمات عربية وبين هذا المصطلح .. الشيربي هو ماركة لقلم كتابة ..ومن هنا فانه يرمز للادب ، حوّلها هاروكي الى الحديث عن كعكة تلويحا منه انه يلمح الى فكرة ' هل الادب تحلية في مائدة العالم ؟ ام هو طبق رئيسي " في هذه القصة وضعه تحلية ، مجرد كعكة ..ثم يوجد اعلان 'كاعلانات المسابقات الادبية " مشاركة في ملتقى ، لمّح الى كم الخطابات المملة والتافهة للاكاديميين والنقاد والتي توسع الكلام جدا بينما يمكن قول كل ذلك في كلمات معدودة ، ثم ايكال الامر الى غربان عمياء سمينة عمرها كبير جدا ..تنويها الى النقاد الكبار العميان عن الادب الجيد ..نقرُ بعضهم بعض في اخر القصة وتقاتلهم تنويهٌ الى المعارك والمناوشات والنميمة التي يتورطون فيها فيما بينهم وعدم اهتمامهم بالادب الجيد ..


هناك الكثير من التلميحات اللطيفة ... هَمّ الادباء الشباب في ايجاد سند مالي من خلال ادبهم ( الذي تختلف المؤسسة الادبية الرسمية على قبوله ) انتصار الاديب الشاب في الاخير بتخليه عن الجائزة وصنع ادبه الخاص بنفسه دون التقيد بالمؤسسة ، والكثير الذي ستلاحظونه بانفسكم من خلال قراءتكم هذه القصة القصيرة اللطيفة والاثيرة لدى هاروكي اذن ان النقاد اليابانيين انفسهم فهموا الرسالة وعاتبوه على التعريض ..فالرسالة واضحة ..


ملاحظة : الغربان !! ، لم الغربان ؟؟ لان الغربان لها دلالة اسطورية كبيرة .. الغربان عادة تدل على الخراب .. الانتهاء ، الفراغ من امر ما التغذي على جثثت الاخرين لان الغربان معروفة باكل عيون الجثث المتخلفة عن الحرب ... ولدلالة اخرى بالنسبة لهاروكي اسم كافكا يعني الغراب .. وشعار محل هرمان كافكا (والد كافكا ) المتسلط  هو الغراب ، صورة شعاره :




[caption id="attachment_74" align="aligncenter" width="75"]شعار محل هيرمان كافكا والد فرانز كافكا شعار المحل[/caption]

و دون اطالة نقدم لكم القصة :




[caption id="attachment_75" align="aligncenter" width="500"]Sharpie القلم بالصورة هو قلم Sharpie[/caption]


صعودُ وسقوط كعك الشِيربي


نصف مستيقظ ، أقرأ جريدة الصباح عندما لفت انتباهي اعلان في اسفل الصفحة : ( احتفاءً بكعك الشيربي ، مصنِّع يبحث عن منتوجات جديدة ، ملتقى اعلامي كبير ) .لم اسمع من قبل عن كعك الشيربي لكن يبدو انه نوع من الكعك على كل حال ، لكن لما يكون الامر متعلقا بالحلويات اكون مهتما للامر ومتطلبا ، زيادةً على اني املك وقت فراغ بين يدي لا ادري ما افعل به .اذن قررت ان اذهب وارى هذا (الملتقى الاعلامي الكبير ) وما يمكن ان يحتويه .


أُقيم الملتقى في جناح بفندق ، قُدّم الشاي والكعك . وبالنسبة للكعك قدم كعك الشيربي طبعا ، تذوقت واحدة لكن لا يمكنني القول انني احببت مذاقها كثيرا ، كانت حلوة ولزجة في مذاقها لكن سطحها كان جافا ، لا اعتقد ان شباب الوقت سيسرون بالطعم الحلو كهذا .


الذين كانوا ينتظرون الملتقى الاعلامي كانوا بمثل عمري او اصغر قليلا ، اخذت التذكرة رقم 952 ، وعلى الاقل مئة شخص اتوا بعدي ، هذا يعني ان هناك قرابة الالف شخص في هذا الملتقى ، رائع جدا .


بجانبي جلست فتاة في حوالي العشرين ترتدي نظارات ثخينة ، لم تكن جميلة ، لكن بدا انها تتمتع بشخصية جيدة .


"اخبريني ، هل سبق ولك ان تناولت كعك الشيربي ؟ " سألتها .


"بالطبع " قالت " هو كعك مشهور "


" اجل ، لكن هذا الكعك ليس ..." بدأتُ جملتي لكنها ركلت رجلي بخفة ، القى الناس من حولنا نظرات غاضبة علي ، الجو اصبح مشحونا ، لكني بددته بتصنع اقوى ما املك من نظرة بريئة وغبية .


" هل جننت " همست لي الفتاة لاحقا ، " تاتي لمكان لهذا وتنتقد كعك الشيربي ، غربان الشيربي كانوا لياخذوك..ولن ترجع حيا للمنزل بعدها "


"غربان الشيربي ؟ " تعجبت .. " ما ..."


"شششش !" اوقفتني الفتاة . فالملتقى بدأ للتو .


مدير شركة كعك الشيربي افتتح الملتقى بنبذة حول تاريخ الشيربي ، كان الامر حول وقائع تاريخية مشكوك فيها بالعودة للقرن الثامن عشر حيث ان احدهم قام بخلط المكونات وصنع اول كعك شيربي .زعم الرجل ايضا ان هناك قصيدة شعرية حول كعك الشيربي في كتاب ( المختارات الامبراطورية كوكينشو ) لعام 905 ، كدت انفجر ضحكا على الامر لكن الجميع كان ينصت بانتباه وهدوء لذا تمالكت نفسي ، زد انا لا اعرف عن 'غربان الشيربي ' هؤلاء وما الذي يمكن ان يفعلوه بي .


خطاب المدير استغرق حوالي الساعة ، وكان مملا كالجحيم ، كل ما كان يريد قوله ان كعك الشيربي هي حلويات تقليدية عريقة ..لكن كل ما فعله هو انه قال ذلك باكبر عدد ممكن من الكلمات .


نائب المدير ظهر بعده ليشرح المنتجات الجديدة لكعك الشيربي قال ان الشيربي حلويات وطنية عريقة لكن حتى بالنسبة لكعك متميز كهذا علينا ان نضخ دماء جديدة لاجل تطويره وتحسينه ليتناسب مع العصر الجديد ، هذا يبدو جيدا ..لكن كان يمكنه القول ببساطة ووضوح ان طعم كعك الشيربي قديم للغاية الان والمبيعات تنخفض لذا فهم بحاجة الى افكار جديدة وشابة ..لكنه قال كل هذا بعدد كبير من الكلمات .


وعند خروجنا قُدّمت لي نسخة حول شروط المشاركة، عليك ان تطهو حلويات مبنية على وصفة كعك الشيربي وتقدمها للشركة في غضون شهر ، الجائزة مليوني ين، لو حصلت على مليوني ين لتزوجت صديقتي ولكان باستطاعتي التنقل الى شقة جديدة ..لذا قررت ان اصنع كعك شيربي جديد .


وكما قلت لكم من قبل يمكن ان اكون مهتما لما يتعلق الامر بالحلويات .يمكن ان اصنع اي شيء بطريقتي الخاصة : مربى الحبوب ، حشوات كريم ، طبقات الفطائر ،سيكون من السهل علي صنع نسخة معاصرة من كعك الشيربي ، في الوقت المحدد كنت قد طهوت دزينتين من كعك الشيربي وقدمتها لمكتب الاستقبال لشركة كعك الشيربي .


"تبدو جيدة " قالت الفتاة وراء الكاونتر .


"هي جيدة فعلا " قلت لها .


بعد شهر وصلني اتصال من الشركة وطلبوا مني الحضور غدا ، كنتُ هناك بربطة عنق في مكتب استقبال نائب المدير.


" كعك الشيربي التي قدمتها لنا لقيت ترحيبا كبيرا من الموظفين "قال واضاف " بالأخص الموظفين الشباب " .


"مسرور لسماع هذا " قلت له .


"من ناحية اخرى ، وبين الموظفين الاكبر سنا – كيف يمكنني ان اخبرك ..- لا يرون ان ما صنعته هو كعك شيربي ، نحن نناقش الامر بجدية فعلا ..."


"افهمك " قلت متسائلا حول ما الذي سيجري بعد .


" وهكذا قرر مجلس الادارة ان يترك القرار لقداسة غربان الشيربي "


"غربان الشيربي " تسائلت " من هم غربان الشيربي ؟ "


نظر لي نائب المدير بتشكك وحيرة " هل تعني انك دخلت المسابقة دون ان تعرف اي شيء حول غربان الشيربي ؟ "


" انا اسف ، انا اعيش حياة منعزلة فعلا "


"هذا فظيع " قال " لو لم تكن تعرف عن غربان الشيربي اذن .." سكت ثم واصل " حسنا ، لا داعي لذلك .. تعال معي .."


تبعت نائب المدير خارج الغرفة ، وحتى اخر الممر حيث المصعد صعدنا للطابق السادس ، نزلنا لممر اخر كان في نهايته ياب فولاذي ضخم ، رن نائب المدير الجرس ، ظهر حارس قوي البنية ، تأكد من هوية نائب المدير ثم فتح الباب الضخم ..الامن كان مشددا .


"قداستهم : غربان الشيربي تعيش هنا " قال نائب المدير " هم عبارة عن طيور من عائلة نادرة ، لمئات السنين لم ياكلوا شيئا ما عدا كعك الشيربي ليبقوا احياء "


لم يكن هناك داعي للمزيد من الشرح ، مئات الغربان كانت في غرفة ممتدة عبر الحائط ، كان عبارة عن مخزن فيه اعمدة من الجدار للجدار على كل عمود يجثم الغربان ملتصقين ببعض ، كانوا اكبر من الغربان العادية ، ثلاث اقدام طولها ، حتى اصغر الغربان كانت على الاقل بطول قدمين ، كانوا بدون عيون ، لاحظت انه في مكان العيون توجد بقعة بيضاء دهنية ، كانت اجسامهم ممتلئة حد الانفجار .


عندما احست الغربان بقدومنا بدأت برفرفة اجنحتها والزعيق ، في الاول ظننت انه مجرد زعيق فارغ بلا معنى ،لكن ما ان دققت السمع حتى ظهر لي انهم يصرخون بكلمة " شيربي ! شيربي ! " كانوا مخلوقات شنيعة فعلا .


من علبة في يديه ، نائب المدير نثر كعك الشيربي على الارض ، قفزت الغربان على الكعك وفي حمى الحصول على كعك الشيربي نقرت الغربان ارجل واعين بعض ، لا عجب انهم فقدوا عيونهم ! ، ثم اخرج نائب المدير من علبة اخرى شيئا يشبه كعك الشيربي ، ثم نثرها على الارض مجددا "راقب هذا " قال لي " هذا كعك شيربي لم ينجح في المسابقة " .


احتشدت الطيور في الاسفل كالعادة لكن ما ان عرفت ان الكعك ليس شيربي حقيقي بصقوها وبداوا بنعيق غاضب :


شيربي !


شيربي !


شيربي !


" الان دعنا نجرب مع كعك الشربي الجديد الخاص بك ، لو اكلوه تفوز ، ان لم يفعلوا تخسر "


اوووه ! شيء ما اخبرني ان هذا لن يفلح ، لا يمكن ان يرجعوا امر المسابقة لثلة طيور غبية ، لكن دون اهتمام بشكوكي ، نائب المدير نثر " الشيربي الجديد " الذي صنعته على الارض مجددا انقضت عليه الغربان ، ثم قاموا بهرج كبير .. بعض الغربان اكلت كعكي بتلذذ ، الاخر بصقها زاعقين " شيربي ! ، شيربي ! "


لكن البقية تلك التي لم تصل الى كعك الشيربي اصيبت بنوبة جنون وبدأت في نقر الطيور الاخرى التي اكلت الكعك ، انتثر الدم في كل مكان ، احد الغربان اخذ كعكة كان الاخر قد بصقها ، لكن غراب كبير الحجم اسقطه ارضا وبزعقة " شيربي ! " فتق بطن الاخير ، واصبح الكعك الذي التهمه من قبل متاحا للآخرين ، والدم .. المزيد من الدم ..والغضب ..المزيد من الغضب .. هذا ما حدث من اجل بضع حلويات سخيفة لكن بالنسبة للطيور كان الكعك لها هو كل شيء وكان كون الكعك شيربي او مش-شيربي مسألة حياة او موت بالنسبة لها .


" انظر ما الذي فعلناه ! " قلت لنائب المدير "بمجرد ان رميت الكعك لهم ، الامر اصبح دمويا "


ثم غادرت الغرفة بمفردي ، اخذت المصعد ثم خرجت من مبنى الشركة ، اكره ان اخسر مليوني ين كجائزة ، لكني لست مستعدا لتقضية حياتي مهتما بثلة غربان لعينة .


من الان وصاعدا اود ان اصنع واكل الطعام الذي اريد اكله ، ولتنقر تلك الغربان اللعينة بعضها حتى الموت كما تشاء.


هاروكي موراكامي


من اليابانية ترجمها للإنجليزية : JAY RUBIN


ترجمها للعربية : يونس بن عمارة .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


جميع حقوق الترجمة للعربية محفوظة © 2014 يونس بن عمارة .

الاثنين، 14 أبريل 2014

الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة .(مقدمة)

الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة .


هاروكي موراكامي


ترجمة للعربية : يونس بن عمارة .



لقول هذا بابسط طريقة ممكنة : انا ارى ان كتابة الروايات تحدي .كتابة القصص القصيرة لعبة ، لو تصورنا ان كتابة الروايات هي زرع غابة فان كتابة القصص ستكون كزرع حديقة ، كلتا العمليتان تكملان بعضهما البعض ، انشاء منظر طبيعي كامل يعجبني : اوراق الشجر الخضراء تلقي ظلا لطيفا على الارض والريح تداعب الاوراق التي تكون منصبغة باللون الذهبي احيانا ..


بعد مضي الوقت ، في الحديقة ، تظهر براعم للزهور ، بتلات الزهور الملونة تجذب النحل والفراشات مذكرة بالانتقال الخفي من فصل لآخر .


منذ بداياتي ككاتب قصص خيالية العام 1979 تعودت بشكل دائم على الكتابة بالتناوب بين القصص القصيرة والروايات .


وكان منهج عملي كالآتي : لما انهي رواية اجد نفسي اني اريد ان اكتب بعض القصص القصيرة ، ولما انهي مجموعة قصصية ما اجد نفسي احب العمل على رواية .


لا اكتب أي قصة قصيرة لما اكون اكتب رواية ، وابدا لم اكتب أي رواية لما اكون في العمل على مجموعة قصصية .اعتقد ان هذين النوعين المختلفين ينتميان الى جزئين مختلفين من الذهن ، والامر يتطلب وقتا لاطفاء الاول ثم تشغيل الجزء الاخر .




[caption id="attachment_71" align="aligncenter" width="175"]غلاف المجموعة القصصية الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة غلاف المجموعة القصصية الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة[/caption]

كان يكفي وحسب بعد بداية عملي مع نشري روايتين قصيرتين(نوفلا )   "اسمع اغنية الريح "، و "بِينبال Pinball" 1973 ، كي ابدأ من العام 1980 الى 81 بكتابة القصص القصيرة ، اول ثلاث قصص كتبتها كانت (قارب بطيء نحو الصين ) ، ( قصة عمٍّ فقير ) ، ( كارثة تعدين في نيويورك ) . (قارب بطيء نحو الصين ) نُشرت في مجموعتي القصصية الاولى التي صدرت بالانجليزية بعنوان ( الفيل يختفي ) ، بينما الاخريات توجد في مجموعتي هذه .هذه هي نقطة انطلاقي ككاتب قصص قصيرة وايضا لما كنت اطور نظامي في التناوب في الكتابة بين القصة والرواية .


"المرآة " ، " يوم مثالي لحيوانات الكانغارو " ، "دابشيك " ، " عام السباغيتي " ، "صعود وسقوط كعك الشيربي " كانوا جميعا في مجموعة قصصية كتبتها من العام 81 الى 82 ، "صعود وسقوط كعك الشيربي" تمثل ، كما يظهر للقراء بسهولة ، انطباعاتي حول العالم الادبي في بداياتي . لكن على شكل قصة خيالية ، لكن في نفس الوقت لا تتلائم مع المؤسسة الادبية اليابانية ، الأمر التي استمر معي ليومنا هذا .


احد مباهج كتابة القصص القصيرة انك لا تستغرق وقتا طويلا لانهائها ، عموما تاخذ مني القصة القصيرة حوالي اسبوع لانهائها واخراجها في شكل لائق ومقبول ( مع العلم ان التعديلات او التنقيحات لا نهاية لها ) ، انها ليست كذلك الالتزام المادي والعقلي على مدار عام او عامين الذي تتطلبه كتابة رواية ما .


يمكن ببساطة ان تدخل غرفتك ، تنهي عملك ، وتخرج . هذا كل ما في الامر ، بالنسبة لي على الاقل كتابة رواية تبدو لي انها ستطول للأبد ، واحيانا اتسائل هل ساعيش حتى انهيها ، لذلك وجدت ان كتابة القصص القصيرة تغيير ضروري وكسر لهذه الوتيرة .


الشيء الجميل الاخر في القصص القصيرة هو انه يمكنك كتابة قصة انطلاقا من ادق التفاصيل الصغيرة –فكرة تزهر في ذهنك ، كلمة ، صورة ..او أي شيء اخر


في معظم الحالات ..وكارتجال في موسيقى الجاز ..تاخذني القصة حيث تريد .الشيء الجميل الاخر في القصص القصيرة هو انه لا داعي للقلق من الفشل ، ان لم تفلح الفكرة كما أملت لها ان تكون يمكنك هز كتفيك والقول انه لا يمكن لكل القصص ان تكون ناجحة.


حتى مع اساتذة هذا الفن كـ ف .سكوت.فتزجرالد وريموند كارفر وحتى انطوان تشيخوف ليس كل قصصهم القصيرة هي تحفة ادبية .


وجدت هذا مريحا .يمكنك التعلم من اخطائك ، (بعبارة اخرى بالنسبة للقصص التي تعتبر نجاحها غير مكتمل ) يمكنك استخدامها في الكتابة بشكل احسن في القصص المقبلة .


بالنسبة لي .عند كتابة رواياتي احاول جاهدا الاستفادة من نجاحاتي وفشلي التي خبرتها في كتابتي للقصص القصيرة .بهذا الشكل تعتبر القصة كمختبر تجريبي لي كروائي ,لانه من الصعب جدا ان تجرب وانت في خضم العمل على رواية كاملة لذا اعتبر انه من دون القصص القصيرة يعتبر العمل على كتابة رواية اكثر صعوبة واكثر تطلبا .



كنت اعرف القليل عن كتابة القصص القصيرة لذا فالبداية كانت صعبة ، لكني وجدت انها تجربة مثيرة .


احسست ان امكانيات عالمي الخيالي قد توسعت لدرجات عليا ، ولاحظت ان قرائي يقدرون هذا الجانب مني ككاتب .



مبدئيا اعتبر نفسي روائياً ، لكن الكثير من الناس اخبروني انهم يفضلون قصصي القصيرة على رواياتي .هذا لا يزعجني ولا احاول اقناعهم بالعكس ، الحقيقة انني سعيد بسماعهم يقولون لي هذا ، قصصي القصيرة مثل ظلال ناعمة اخرجها لهذا العالم ، كاثار اقدام باهتة اتركها خلفي .


اتذكر تماما كل لحظة جلست لاكتب احداها ، وكيف شعرتُ وقتها ، القصص القصيرة كالعلامات الارشادية نحو قلبي . وانا سعيد جدا ككاتب لكوني اشارك هذه المشاعر الحميمة مع قرائي .


"الفيل يختفي " صدرت العام 1991 وترجمت فيما بعد الى العديد من اللغات ، مجموعة قصصية اخرى بالانجليزية (ما بعد الزلزال ) صدرت العام 2002 ( العام 2000 في اليابان ) وهذا الكتاب يحوي ست قصص تتعامل بشكل او باخر مع الكارثة الطبيعية (زلزال كوبي ) الذي حدث العام 1995 لقد كتبت هذه الست قصص بشكل آمل معه ان تكون كصورة واحدة في ذهن القاريء فلذلك الامر تلك المجموعة القصصية هي اكثر من كونها تجميعة لقصص قصيرة ، و من هذا المنطلق ، فهذه المجموعة القصصية : "الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة" ، هي اول مجموعة قصص قصيرة بالمعنى الحقيقي كتبتها منذ فترة طويلة.


بالطبع الكتاب يحوي قصصا كتبتها بعد صدور مجموعة (الفيل يختفي ) ، " فتاة يوم ميلاد " ، "آكلوا القطط " ، " الرجل السابع "، و" رجل الثلج "بعض
هذه القصص .


كتبت ' فتاة عيد الميلاد ' بطلب من الناشر لما كنت اعمل على انطولوجيا (مختارات) لقصص كتّاب اخرين تتعلق بموضوع يوم الميلاد ، يساعدك كونك كاتبا ان تختار قصصا لانطولوجيا ما ، اذ انه لو كان بمقدورك تلخيص قصة ما ، فبامكانك كتابة واحدة .


"رجل الثلج "بالمناسبة مبنية على حلم رأته زوجتي بينما" الرجل السابع" مبنية على فكرة اتتني لما كنت اتجول على الشاطيء واتأمل الموج.


الحقيقة انني من بداية العام 1990 الى بداية العام 2000 كتبت القليل من القصص القصيرة ، لم يكن الامر انني فقدت اهتمامي بالقصة القصيرة ، فقط كنت غارقا في كتابة عدد من الروايات لم اجد وقتا اخر لانهائها ، لم اجد وقتا لانهائها والقيام بكتابة القصص القصيرة بل كتبت قصة قصيرة من وقت لاخر كلما سنح لي ذلك لكنني لم اركز عليهم ، خلافا لذلك كتبت روايات : "يوميات الطائر اللعبة" ، "جنوب الحدود، غرب الشمس"؛ "سبوتنيك الحبيبة"؛ "كافكا على الشاطئ".


وبينها كتبت العمل غير الخيالي الجزئين اللذان صدرا بالانجليزية تحت عنوان ( ما تحت الارض ) كل واحدة من هذه الاعمال اخذت كما هائلا من الوقت والطاقة .في ذلك الوقت كان اهتمامي الاوحد هو كتابة رواية بعد أخرى .


ربما فقط اتى ذلك الوقت من حياتي حيث كتبت (ما بعد الزلزال ) كلحن موسيقى فاصل بين المقاطع لكني كما قلت مجموعة (ما بعد الزلزال ) ليست مجموعة قصصية بالمعنى العادي .


في العام 2005 ، وللمرة الاولى منذ فترة طويلة جدا .شعرت برغبة شديدة في كتابة مجموعة من القصص القصيرة ، رغبة جارفة كما يمكنك القول استبدت بي ، لذا جلست لمكتبي .اكتب قصة قصيرة كل حوالي اسبوع ،وانهيت خمس قصص فيما لا يزيد على فترة شهر ون ثم لم يعد بوسعي التفكير في أي شيء غير هذه القصص لذا فاني كتبتها دون توقف ، هذه القصص الخمسة نُشرت مؤخرا في مجلد في اليابان تحت عنوان ( قصص غريبة من طوكيو ) وقد جُمعت هنا في النهاية في هذا الكتاب .على اساس انهم يشتركون في كونهم قصصا غريبة ، كل قصة يمكن قراءتها بشكل منفصل ، وهم ليسوا مقتطعات من قصة ذات وحدة واحدة كما فعلت في قصص مجموعة ( ما بعد الظلام ) ، مهما كان فكروا بالتالي . أي شيء كتبته هو قل او كثر : قصة غريبة .


"السرطانات " ، " قصة عم فقير " ، و "الصفصافة العمياء ـ المرأة النائمة " تمت مراجعتها وتنقيحها بشكل كبير قبل ترجمتها ، لهذا هي تختلف عن تلك التي نشرت في اليابان ، وبالنسبة للقصص الاقدم وجدت بعض الخلل الذي لم يسرني لذا قمت ببعض التعديلات الخفيفة .


علي القول ايضا انه في العديد من المرات اعيد كتابة قصص قصيرة وادمجها في الروايات ، وهذه المجموعة تحوي العديد من هذه النماذج " لعبة الطائر وامراة يوم الثلاثاء "( توجد في مجموعة الفيل يختفي ) اصبحت نموذجا للمقطع المفتوح لرواية "يوميات لعبة الطائر" وبهذا الشكل ايضا قصة "اليراع " و " آكلوا القطط " مع بعض التغييرات دمجت على الترتيب في رواياتي ' الغابة النرويجية " و " سبوتنيك الحبيبة " . مضى عليها وقت كنت كتبتها كقصص قصيرة لكن بعد نشرها امتدت وتوسعت في ذهني واصبحت روايات.


القصة القصيرة التي كتبتها منذ فترة طويلة تدخل منزلي تهزني كي استيقظ وتصرخ فيّ ( هاي ..هذا ليس وقت النوم !!، لا يمكنك نسيان امري ،هناك الكثير لكتابته )


بدافع من هذا الصوت اجدني اكتب رواية .وبهذا الشكل ايضا القصص القصيرة والروايات تندمج بشكل طبيعي داخلي .


الكثير من الناس دفعوني وشجعوني على كتابة القصص القصيرة ، كل مرة ارى فيها ماندا ايربان ، وكيلي لدى ICM, تكرر لي هذا كتعويذة ( هاروكي! اكتب المزيد من القصص القصيرة !)  غراي فيسكتجون لدى دار نشر" كنوبف" ناشر مجموعة (الفيل يختفي ) هو ايضا محرر هذه المجموعة ( الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة ) وكان دوره محوريا في اخراجها للطبع .ايضا جاي روبن و فيليب جبرييل ، عملي المُجِهد ، المترجمين المحترفين ، لهم لمستهم الفريدة ايضا وانه لمن دواعي سروري ان اقرأ قصصي عبر ترجماتهم الراقية ، ايضا انوه الى انني الهمت جدا بواسطة ديبوراه تايزمان .وسلفته لندا آشر المحررين لدى مجلة نيويوركر التي نشرت العديد من قصصي شكرا لهم جميعا .هده مجموعة قصصية جديدة تنشر لي وككاتب قصص قصيرة لا يمكنني ان اكون اكثر سعادة مع ما انجزناه هنا .


هاروكي موراكامي .


مقدمة لمجموعته القصصية ( الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة ) التي تحتوي 24 قصة قصيرة .

الثلاثاء، 25 مارس 2014

قراءة في رواية نعاس لـ هاروكي موراكامي

انهيت لوقت متاخر من الليل ، النوفلا (الرواية القصيرة ) المسماة نعاس لهاروكي موراكامي .. اصبحت هناك مجموعات وصفحات مميزة في الشبكات الاجتماعية ،مدونات رائعة تستبق للجديد والماتع والرائع فضلا عن هذا ..اعجبني اولا تلك المجموعة الشابة التونسية التي نشرت القصة اذ اخذت على عاتقها تقديم الادب العالمي الماتع (الممتع) للناشئة والشباب باسعار معقولة ..هذا اولا هو شيء مهم ورائع واحيي كل من اوصل لنا كل هذا ..


اما فيما يخص الرواية ككل ..فلنبدأ برحلتي مع هاروكي موراكامي .. مع الادب الياباني ككل كانت بداياتي مع (التاريخ السري لامير موساشي ) .. الحقيقة ان هذا الكتاب مميز جدا .. ثم قرأت ياسوناري كاواباتا ..قصتان او روايتان ثم سازوكي في رائعته التي اذهلتني (بوتشان) .. لذا فانني جربت ان اقرأ ( كافكا على الشاطيء ) وذهلت من براعة هاروكي .


بكل نزاهة لم اكن اعرف أي شيء عن هاروكي ..لذا فالرواية لما دخلت فيها عدة تقاطعات بدأت اشعر بالملل .. الكلام عن الملل لدى عشاق هاروكي موراكامي يشبه التجديف على الرب لدى المتدينين .. لكن فعلا ..في بدايات تعرفي عليه شعرت بذلك .. لذا هناك (فكرة ) مهمة جدا مميزة اشار لها بورخيس هو اننا نقرأ لشخص ولا نقرأ كتابا وكفى .. فمثلا لو كان هناك عمل ما لشخص ضعيف ووضعت عليه اسما كبيرا ولم يفطن احد فالغالب الاعم (ما عدا النقاد النحارير الواصلين )سيقول ان الرواية رائعة وعظيمة ..وروي في الادب العربي مثل هاته القصة أي ان احدا كان متعصبا لشعراء الجاهلية ويكره المولدين ( وهم شعراء ابناء الاسلام ) فانشد له احدهم بيت شعر لمولد فاستحسنه ومدح براعته فقال له هذا من شعر فلان المولد فقال والله ان الضعف بادي فيه !! هذه طبعا مكابرة وعناد والكثيرون من القراء المرتبطين بكتّاب يعميه حب الكاتب عن فهم الاعمال جيدا ..


قلنا ان هذا ما يقع كثيرا مع القراء .. لكن من البداية حتى لو كان اول لقاء لك مع هاروكي ستعرف ان هناك شيئا .ان هناك خيط عبقرية ان هناك المعية في الطرح والتوزيع والسرد وكل شيء ..ولنبدأ في كلامنا على (نعاس ) النوفلا التي تكلمنا عنها .


لا داعي -والقصة قصيرة وماتعة جدا- ان افسد أي شيء ..لكن قصص هاروكي ككل (و حكمي هذا انما نشأ عن قراءات لمقالات (مقالين لهاروكي ، رواية كافكا على الشاطي ، نعاس ، بلدة القطط جزء قصير من روايته الضخمة 1q84 ، سامسا عاشقا (نوفلا صغيرة في النيويوركر ) فحكمي بارز عن قراءاتي لهذه الاعمال فقط .


حكايا هاروكي سهلة بسيطة لكن حبكتها سوريالية ( فنتازية ) هذا امر واضح لكن تبدأ بالواقع ثم فجأة تكون في الخيال دون تدرج (هذا ما يخيل للقراء العاديين ) لكن هناك تدرج كبير في الكتابة ..فلا ننزعج مثلا من الحبكة التي تجمع بين الواقع والخيال بل يبدو لنا الامر واحدا ومتماسكا ..وهنا تكمن براعة هاروكي .


هاروكي في مقابلة له مع جريدة المانية اثبت ان بعض قصصه رواها له رجل كان يراه بوضوح في مكتبه . الامر جنوني بالنسبة لي لكن هناك الكثير من الهلاوس التي يعاني منها الكتاب فعلا .. فرجينيا وولف ، كافكا ، جيمس جويس ، بول اوستر ..هناك مرحلة يكون الكاتب قد صدق نفسه ( وهو يقول انه اُلهم وليس ابتكر ) في حكاياته فيعيشها فعلاوكانها وقعت او دعنا نقل يعيد صياغة بعض القصص الحقيقية وهم يبررون ذلك بقولهم من يعرف الواقع على ما هو عليه فعلا ؟؟ لا احد ،لا يمكن ،انت اصلا لما تتذكر لا تتذكر انما تعيد صياغة الذكريات في ذهنك فهو ليس تذكر انما اعادة تشكيل في الحاضر لماضي لا نعرف ابدا الذي وقع فيه على حقيقته .(الفكرة الاخيرة لميلان كونديرا )


لذا فالقليل من التشويه يقول الكتّاب لن يضر احدا !! لانه لا يعرف احد حقيقة الواقع القابع امام اعيننا.


على كل تقاطعات كتابات هاروكي مع سيرته الذاتية واضح جدا للعيان وهذا يعطيها مصداقية وروعة وقوة سبك وسرد مثلا ممارسته للسباحة (تظهر في نعاس وكافكا على الشاطيء ) ، مطالعاته المكثفة ( كافكا على الشاطيء ونعاس ) الاماكن والموسيقى والفنانين المذكورين والكتاب كلهم حقيقيون ونابعون من قراءات المؤلف .. وهذا ممكن ان يعيب على الرواية قليلا اذ ان النقاد لا يحبون ان يتسرب شيء من قراءات الكاتب الى شخصياته .. المشكل في الكتابة السردية بقلم شخصية ما انه يفترض فيها انها تكتب باعتيادية بالغة .. لكننا نرى الشخصيات الروائية تكتب بروعة روائي كبير ! وهذا خطأ فني كبير .. تظهر لك في الروايات دوما رسائل مكتوبة بصيغ ممتازة كأن الشخصيات نفسها متمرسة على الكتابة بشكل رائع وكبير ..تتحدث عن نفسها بكل اريحية وتجلب استعارات بلاغية لا يفطن لها الا عبقري ( مثلا وصف الزوجة لنوم زوجها المضحك في رواية نعاس ،ووصف هوشينو للالم الذي حل به من جراء قيام ناكاتا بعمل ماساج لظهره ) هذان الوصفان بلاغيان ورائعان لدرجة ان عاميا لن يكون باستطاعته صياغته ابدا ..هنا يتغلب الدكتور سالنجر في الموضوع رغم انتاجه القليل جدا ..روايات او لنقل روايته اليتيمة ، سالنجر تتكلم الشخصيات بكل طبيعية فعلا وبغير افتعال لقراءات ضخمة ولا تكلم بسلاسة كتابية لا تتكون الا بعد مراس شاق على الاعمال الكتابية التي لا يمكن لشخصيات عادية ان تفتعلها ..


غلاف رواية نعاس

في زوايا رواية نعاس تقرأ بطلة القصة التي تتكلم بضمير المتكلم وتكتب القصة ..القصة ذات صوت احادي لكنه شمولي كعادة هاروكي ،في هذه الرواية تقرأ البطلة رواية تولستوي انا كارنينا .. وانا قرأت الرواية واثرت في تاثيرا بالغا لدرجة اني لم اقرا تولستوي لاحقا ابدا حتى استجمع قواي .. اذ ان انا كارنينا مرعبة من ناحية القوة .. وبما انني قرات عنها عدة مقالات فاني عرفت ان تولستوي في مذكراته تحدث على ان الكثير من حياته صيغ هناك ..انا كارنينا دون نقاش هي قطعة ادبية ذهبية دون الحاجة لحكمي هذا عليها ..هاروكي قدم قراءة مميزة للرواية ..وابدى لنا تفاصيل ربما تغيب عنا لسبب واضح هو انه قرأها اكثر من مرة وعلى مدى سنوات ..لذا فلفهم نعاس بشكل جيد للاسف يجب عليكم قراءة انا كارنينا لتولستوي مهما كان .


هناك عدة تقاطعات وملاحظات وامور في القصة منها : وصف الحياة الرتيبة لربة بيت يابانية عادية ( الحياة هي الرتيبة اما وصف هاروكي فممتع ..غالبا ما يرى القراء كلمة رتيبة حتى يهرب من الكتاب .. المشكل ليس في القصة ..قصص دوستويفسكي كلها كما يقال تجدها في أي جريدة يومية .. لكن انى لك باسلوب القص الخاص به ؟؟ هنا مربط الفرس كما يقال ).


وصف المشاعر والاحداث بدقة كبيرة جدا ..لدى الروائين مجهر روائي عظيم ودقة ملاحظة وذاكرة كبيرة .
التحدث عن الحياة العامة لطبيب اسنان الذي هو زوج ربة البيت .. وقد لخص الامر ببساطة في جملة ( وهذا ما يسحرك في الروايات ..) فبعد ان اقترضوا ليفتحوا عيادة ورغم ان الامور تسير على ما يرام الا انه قال لها .. (تقترض لتشتري الات جديدة لتربح الزبائن ثم يمضي القليل من الوقت حتى تشتري اخرى ولا يستفيد الابائعوا الالات !) يبدو كلاما عاديا جدا لكنه في سياق القصة مميز للغاية .


و ثم هناك الحادث الغريب الذي هو حبكة الرواية والذي لن ارويه هنا لانه لا فائدة من فعل ذلك ..وهناك قراءة البطلة لرواية تولستوي (عادات القراءة ) وصف كيفية القراءة بشكل دقيق ..


الرواية تنتهي نهاية مفتوحة .. لكنها تذكرك ان كنت قرأت بول اوستر برائعته ليلة التنبؤ ..اذ هي رواية عن كاتب يكتب رواية في الرواية الداخلية هناك شخصية تحتجز في قبو محكم الاغلاق ولا يتمكن الكاتب الذي هو شخصية في رواية بول اوستر من اكمال القصة لاخراجه ..


اظن ان هذا ما وقع لهاروكي موراكامي وهذا ما جعله ينهي القصة بطريقة مفتوحة كهذه .هذا ما لدي لقوله حول هذه الامور.سلام