سوق المترجمين العرب (نموذج أولي لبزنسها). يتم التشغيل بواسطة Blogger.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصفصافة العمياء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصفصافة العمياء. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 31 أغسطس 2014

عام السباغيتي / قصة قصيرة هاروكي موراكامي - ترجمة محمود حسني

***


تقديم 


مسرور برؤيتي ترجمتين للكاتب والمترجم محمود حسني والكاتبة جهان سمرقند لقصتين جميلتين لهاروكي موراكامي من مجموعته القصصية المميزة الصفصافة العمياء انه لجهد مبارك وجميل جعلني افخر بهذا العمل الذي قدمناه انه جهد متواضع ايضا وانحناءة ادبية لكل اولئك المترجمين الذي عملوا بصمت وعلمونا من خلال ترجماتهم ورحلوا بصمت وقدموا للعالم الكثير اقول لهم (اسف لاننا اتينا متاخرين لهذا العالم ) . من بداية المترجمين العرب .. لا ادري!بل من بداية الترجمة الانسانية ككل ...منذ فكرة الحق بلبلة الالسنة والاحتياج للترجمة اصلا ..كل اولئك الذين عملواعلى تقريب الانسانية عبر الترجمة هم الادباء والمترجمون .وكما قلنا في بداية قصة ترجمتها لهاروكي ان الترجمة هي المعين الاساسي للادب .فهاروكي ترجم سالنجر وبول اوستر ترجم الفرنسية للانجليزية وبودلير هرم الشعر الفرنسي ترجم لهرم الشعر الانجلزي بو .مارسيل بروست احد اباء الرواية الحداثية ترجم لرسكن وريلكه الشاعر المرهف ترجم للكثيرين وفي عالمنا العربي الان ترجم الاديب عدنان مبارك والروائي غالب هلسا هنا حيث يتقاطع الادب والترجمة والبلد بالبلد والثقافة بالثقافة. انه جهد متواضع لكني فخور به كما قلت واقدمه كانحناءة للمترجمين العرب الذين انفقوا الكثير من نور اعينهم كي نتمتع بروائع ومهما كانت اجادتنا للغات اخرى فانه لا يوجد ما هو احلى ان تقرأ العالم بلغة الام ورائحة الام بين رغيف ساخن وقهوة اعدتها يد تحبك . مليءٌ قلبي بالفرح ..ممتليء فؤادي بالفخر ...والان كي لا اطيل الكلام لاقدم ببساطة (مع معلومات تقديمية للقصتين –ويمكنكم تجاوز المقدمة ان اردتم قراءة القصة وحسب ) ..وليبارككم الرب اينما كنتم .


حول قصة " عام السباغيتي "


انه لمن المعروف ان ماركو بولو يعتبر رحالة شهيرا زار اسيا وعرف الاوربيين على اسيا العصور الوسطى .. رحلة ماركو نفسها مهمة جدا لفهم هذه القصة .. لان قصة هاروكي تنتهي بالجملة التالية "هل يمكنك أن تتخيل كيف ستكون دهشة الإيطاليين إن علِموا أن ما صدروه عام 1971 في حقيقة الأمر لم يكن سوى العزلة الخالصة؟ " بينما يعتبر ماركو بولو قد احاط بالعالم وزار العديد جدا من البلدان .. وهناك اسطورة كما تقول الويكيبيديا انه هو من اتى بالباستا التي هي شكل من السباغيتي للاوروبيين ثم من دوائر الدهر والقدر صدر الايطاليون السباغيتي لاسيا ! اعتقد ان هذه الفكرة مهمة من وجهة نظري لفهم الجملة الاخيرة للقصة لان هاروكي تقصدها اكيد .. فهناك علاقة بين -العزلة / السفر والانتفاح اشارة الى العولمة اشارة الى انفرادية الانسان اشارة الى الاهتمام بالامور الشخصية والانعزالية ..اشارة الى العديد من الاشياء .


في تقديمي هنا لم احلل القصة ولا الترجمة التي كانت جيدة جدا ، فقط اوضحت هذه النقطة الاخيرة لان تحليل القصة كاملا يتطلب وقتا وجهدا اكبر .وكذلك ما سنفعل في تقديمنا لقصة المرآة .نركز فقط على نقطة ونشرحها ونترك الباقي كي يستنتجه القاريء الحصيف ويفيدنا به .


للاستزادة : رأي القاص والمترجم والاديب هلال شومان في القصة : هنا.


[caption id="attachment_229" align="aligncenter" width="500"]قصة قصيرة قصة قصيرة[/caption]


عام السباغيتي


 

ترجمها من اليابانية للإنجليزية: فيليب جابرييل ترجمها من الإنجليزية للعربية: محمود حسني



كان عام 1971 هو عام السباغيتي. لم أكن أفعل شئ في حياتي سوى طهي السباغيتي. دائما ما شعرت بالبهاء والسعادة كلما رأيت بخار السباغيتي يتصاعد من إناء الألومنيوم أثناء طهيها. كانت رغبتي الوحيدة تكمن في أن أراقب صلصة الطماطم وهي في المقلاة، تنضج على النار حتى تكون جاهزة كصوص من أجل السباغيتي.


في ذلك العام، أتذكر أنني قد ذهبت إلى متجر خاص بمستلزمات المطبخ واشتريت موقت للطبخ ووعاء كبير من الألومنيوم يصلح لطهي السباغيتي. كان كبيرا بدرجة لدرجة مدهشة. ثم أخذت أتنقل بين الأسواق، واشتريت الكثير من الطماطم، وقمت بجمع مجموعة متنوعة من التوابل النادرة. مررت على محل لبيع الكتب واخترت كتاب لطرق عمل الباستا. واشتريت كل نوع من السباغيتي وجدته أمام عيني، وطهوت من صوص الطماطم كل نوع من الممكن أن يكون قد سمع به شخص ما.


أتذكر رائحة زيت الزيتون مع قطع البصل والثوم الصغيرة تملأ فضاء شقتي، وخاصة الركن الذي يقبع فيه المطبخ. وبمرور الوقت، انتشرت الرائحة في جميع أرجاء المكان. وتغلغلت في أرض الشقة وسقفها وجدرانها، في ملابسي وكتبي وسجلاتي. حتى أنني كنت استطيع أن أجدها بين حزم رسائلي القديمة. إنها رائحة كالتي كان من الممكن أن تجدها في أزقة روما القديمة.


هكذا كان عام 1971، عام السباغيتي.


كنت أقوم بطهي السباغيتي وتناولها بمفردي. أصبح هذا الأمر بمثابة قاعدة لي، مقتنعا أن أفضل طريقة للاستمتاع بتناول طبق من السباغيتي عندما تكون بمفردك. في الحقيقة، لا أستطيع تفسير لماذا كان ذلك الاقتناع بداخلي، ولكن هكذا كان الأمر.


كنت أجلس إلى الطاولة واضعا الشاي والقليل من سلطة الخس والخيار -كان على أن اتأكد بشكل دائم من أن لدي الكثير منهما- مع السباغيتي، مستمتعا بتناول وجبتي على مهل، مُنهِيا كل ما تحتويه، تاركا الأطباق فارغة، تكاد تبدو مثل نظيراتها النظيفة. هكذا كنت على مدار الأسبوع من بدايته إلى نهايته. وعندما يبدأ أسبوع جديد، ابدأ رحلة جديد مع نوع جديد من السباغيتي.


في كل مرة جلست لأتناول السباغيتي، خاصة في الأيام الممطرة، ينتابني شعور غريب بأن هناك شخص ما سيطرق باب شقتي. وفي كل مرة أتخيل شخصا مختلفا: أحيانا أتخيل أنه شخص غريب، أحيانا أخرى أتخيل أنه شخص أعرفه، في مرة تخيلت أنها فتاة ذات سيقان ممشوقة كنت قد واعدتها في المدرسة الثانوية، وفي مرة تخيلت أنه أنا من يقف وراء الباب وقد جئت من سنوات قليلة ماضية لزيارتي الآن، وفي أوقات أخرى لم أكن أتخيل أنه قد يكون سوى ويليام هولدن وجينيفز جونز بين ذراعيه.


في حقيقة الأمر، لا أحد من هؤلاء غامر وأتى إلى شقتي. فقط كانوا في ذاكرتي كقطع السحاب التي تحوم حول الباب ولا تلبث إلا وتتلاشى.


على مدار ذلك العام، كنت أطهو السباغيتي وكأنني أمارس عملا انتقاميا. كفتاة هجرها حبيبها وهاهي تلقي برسائله في نار الموقد. مثلها، كنت ألقي بأعواد السباغيتي في وعاء الطهي.


أمسك ببعض السباغيتي بيديّ، أجمع الأعواد مع بعضها البعض بشكل جيد، ومن ثم أضعها في الماء المغلي وأنثر عليها بعض الملح. وبعدها، أظل واقفا بجوار نار الموقد، أحوم حول وعاء الطهي وفي يدي أعواد تناول الطعام اليابانية الشهيرة، من النوع الكبير، منتظرا جرس موقت الطبخ الذي بدت نغمته حزينة بشكل لم أفهمه.


كنت أتخيل أعواد السباغيتي وكأنها شياء ماكرة. ولهذا لا يمكنني السماح لها أن تغيب عن ناظريّ. فربما إن أدرت لها ظهري في مرة، قد تنزلق من فوق حافة الوعاء وتتلاشى بين جنبات الليل. كغابة استوائية تنتظر لبرهة من الوقت، في ليلة يغشاها الصمت، لتبتلع الفراشات الملونة في لحظة تشعر أن الزمن قد توقف فيها، وكأنها لحظة خلود.


أخذ يتردد في ذهني أنواع السباغيتي بالإيطالية


سباغيتي آلا بارميجانا


سباغيتي آلا نابوليتانا


سباغيتي آل كارتوسيو


سباغيتي آليو أوليو


سباغيتي آلا كاربونارا


سباغيتي دي لابينا


كان مصير الكثير من السباغيتي أن تُلقى على أحد رفوف الثلاجة بلا اكتراث. هذه الأعواد التي وُلِدت بين يدي فوق نار الموقد، وغسلتها بنهر الماء الذي غسلت به السباغيتي في ذلك العام، ومن ثم اختفت وكأنها لم تكن. في النهاية لم أملك شيئا سوى الرثاء لكل السباغيتي التي طهوتها.


في ديسمبر من ذلك العام، في الثالثة وعشرون دقيقة، رن جرس الهاتف. كنت مستلقيا على الحصير كشئ فارغ، مثل ذبابة ميتة، محدقا في السقف، وبقعة من ضوء الشمس تسقط على المكان الذي أرقد فيه وكأنها تشكله.


في البداية، لم أستطع التحقق إن كان حقا صوت جرس الهاتف. وكأنه ذكرى لشئ قديم غريب عني أخذ ينبعث بين طبقات الهواء في الغرفة. في النهاية، أخذ الصوت يتشكل في ذهني لأتأكد بما لا يدع مجال للشك أنه صوت جرس الهاتف. وعلى الرغم من أنني مكثت مستلقيا على الحصير، إلا أنني التقط سماعة الهاتف.


على الطرف الأخر كان هناك صوت غير واضح لفتاة، تبينت في النهاية أنها صديقة سابقة لصديق لي. شئ ما حدث بينهما وجعلهما ينفصلان. عليّ أن أعترف على مضض أنني لعبت دورا في الجمع بينهما في أول مرة التقيا فيها.


قالت: آسفة لأنني أزعجتك، هل تعلم أين هو؟


نظرت إلى الهاتف، ماسحا بنظري السلك الواصل إليه، كان طوله كافيا بالتأكيد ليتم توصيله بالهاتف. في النهاية تمكنت من الرد عليها بشئ مبهم. أحسست حينها أن هناك ما هو مشؤوم في صوت هذه الفتاة. وأن هناك مشكلة ما تختمر في إحدى الأركان، ولهذا لم يكن لدي رغبة في أن أتورط في أي شئ يخصها.


قالت بنبرة باردة غير مريحة: لا أحد سيقول لي أين هو، الجميع يتظاهر بأنهم لا يعلمون.ولكن هناك شئ مهم أود أن أقوله له. ولهذا أرجوك قل لي أين هو، وأعدك بأنني لن أورطك في أي شئ، ولن أخبره أنني عرفت طريقه من خلالك.


قلت لها: في حقيقة الأمر، أنا لا أعرف أين هو، لم أره منذ فترة طويلة.


كان صوتي لا يشبه الصوت الذي تعودت على سماعه. كنت أقول الحقيقة حول أنني لم أره منذ فترة طويلة. ولكنني كذبت بخصوص أنني لا أعرف أين هو. لأنني كنت أعرف عنوانه ورقم هاتفه. كنت كلما أتفوه بكذبة، شئ ما غريب يحدث لصوتي.


لم أجد منها أي تعليق.


وكأن الهاتف قد تحول إلى لوح من الثلج.


ثم بدأت الأشياء من حولي تتحول إلى ألواح من الثلج، وكأنني في قصة خيال علمي لـ ج. بالارد G. J. Ballard.


كررت لها: في الحقيقة، لا أعلم أين هو. لقد ذهب منذ فترة طويلة ولم يقل شيئا لي.


ضحكت الفتاة: حسنا، دعني أفكر، هو ليس بفطن للغاية، نحن نتحدث عن شخص دائما ما أحدث صخبا فيما يفعل بغض النظر عن جدواه أو أهميته.


لقد كانت محقة فيما تقول. فهو لم يكن فطنا بما يكفي.


ولكن هذا ليس معناه أنه يجب عليّ أن أخبرها أين هو. إفعل ذلك، وفي المرة القادمة ستتلقى مكالمة بها الكثير من التوبيخ القاسي. كنت بعيدا عن مشاكل وعبث الآخرين. كالذي حفر حفرة في الفناء الخلفي ودفن فيها كل ما يحتاج أن يُدفن. ولم يكن لي أن أسمح لأحد بأن يحفر من جديد مُخرِجا شيئا من هذه الأشياء.


قلت: أنا آسف


قالت فجأة: أنت لست مرتاحا إليّ، أليس كذلك؟


لم يكن لدي أدنى فكرة عما تقول، فأنا لا أكرهها على نحو خاص، كل ما في الأمر أنه ليس لدي انطباع اتجاهها. إنه من الصعب أن يكون لديك مشاعر سيئة نحو شخص ليس بداخلك شئ اتجاهه من الأساس.


قلت: أنا آسف، ولكنني الآن أطهو سباغيتي.


قالت: ماذا؟


قلت: لقد قلت أنني أطهو سباغيتي.


كنت أكذب، ليس لدي أدنى فكرة لماذا قلت ذلك. ولكن هذه الكذبة كانت جزء مني ومن حياتي. في الحقيقة، في هذه اللحظة، لم أكن أشعر أنني أكذب على أي حال.


انطلقت بخيالي وملأت وعاء الماء الوهمي، وأوقدت نار الموقد الوهمي بأعواد الثقاب الوهمية.


قالت: وهذا يعني؟


نثرت الملح الوهمي على الماء المغلي، وبلطف وضعت السباغيتي الوهمية داخل الوعاء الوهمي. ثم ضبط موقت الطبخ الوهمي على اثني عشر دقيقة.


قلت: وهذا معناه أنه لا يمكنني الحديث، لأن السباغيتي سوف تفسد لو تركتها على الموقد.


لم تقل شيئا.


قلت: أنا آسف، ولكنني أحتاج إلى تركيز من أجل طهي السباغيتي.


ظلت الفتاة صامتة، وبدا أن الهاتف سوف يتجمد من جديد بين يدي.


ثم أضفت على عجل: إذا هل يمكنك مكالمتي لاحقا؟


سألت: لأنك تطهو السباغيتي.


قلت: نعم


سألت: هل تطهوها من أجل أحد ما، أم ستتناولها وحدك؟


قلت: سأتناولها وحدي.


كتمت أنفاسها للحظة بدت طويلة، ثم أخرجت زفيرها وقالت: لا أجد طريقة لأجعلك تعلم ما أنا فيه. ولكنني في مشكلة حقيقية ولا أدري ماذا أفعل.


قلت: آسف، ليس في وسعي مساعدتك.


قالت: إن الأمر يتعلق ببعض الأموال التي اقترضها مني


قلت: يمكنني تفهم ذلك.


قالت: هو مدين لي، لقد قدمت له بعض المال، لم يكن علي أن أفعل ذلك، ولكن هذا ما حدث.


بقيت صامتا لدقيقة، وأفكاري كلها تنجرفت نحو السباغيتي الوهمية، ثم قلت: ولكن عليّ أن أذهب الآن لأن السباغيتي ســ.....


صدر منها ضحكة فاترة وقالت: إلى اللقاء. أخبر السباغيتي الخاصة بك سلامي لها. آمل أن تكون مطهوة على خير حال.


قلت: وداعا.


عندما وضعت سماعة الهاتف، كانت بقعة الضوء قد انحرفت عن مكانها على الأرض بمقدر إنش أو اثنين. فعدت لأرقد تحتها من جديد. وبقيت أحدق في السقف كما كنت من قبل .


كان تفكيري يأخذني لتخيل أن هناك نوع من السباغيتي من الممكن أن يظل يغلي في الماء إلى الأبد دون أن ينضج أبدا وهو الأمر الذي بدا لي أنه يبعث على الحزن.


الآن، أشعر ببعض الندم لأنني لم أخبر الفتاة عن أي شئ. ربما كان يجب عليّ مشاركتها ما أفعل. أعني أن صديقها السابق لم يكن يعني لها الكثير. الأمر كله كان يتمحور حول المال، وسينتهي الموقف عندما يعيد لها المال الذي أقترضه منها.


أحيانا أتسائل ماذا حدث للفتاة؟ كانت ذكراها تقفز إلى ذهني عندما يكون البخار يتصاعد من طبق السباغيتي الساخن. هل اختفت للأبد بعدما أغلقت الهاتف في في الرابعة والنصف عصرا من ذلك اليوم؟ هل يجب أن ألوم نفسي ولو جزئيا على ما حدث لها؟


أنا أريدك أن تتفهم موقفي، لأنني لم أكن أرغب في أن أتورط في مشكلة تخص أي شخص آخر. هذا ما كان يدفعني للاستمرار في طهو السباغيتي بنفسي ولنفسي في الوعاء الكبير الذي يكفي لراعي ألماني.


السباغيتي التي كانت في الأصل ذرات من السميد، والذي كان بدوره أعواد تمتلئ بسنابل القمح الذهبية، تتمايل مع نسيم الريح في الحقول الإيطالية الرائعة.


هل يمكنك أن تتخيل كيف ستكون دهشة الإيطاليين إن علِموا أن ما صدروه عام 1971 في حقيقة الأمر لم يكن سوى العزلة الخالصة؟

الاثنين، 14 أبريل 2014

الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة .(مقدمة)

الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة .


هاروكي موراكامي


ترجمة للعربية : يونس بن عمارة .



لقول هذا بابسط طريقة ممكنة : انا ارى ان كتابة الروايات تحدي .كتابة القصص القصيرة لعبة ، لو تصورنا ان كتابة الروايات هي زرع غابة فان كتابة القصص ستكون كزرع حديقة ، كلتا العمليتان تكملان بعضهما البعض ، انشاء منظر طبيعي كامل يعجبني : اوراق الشجر الخضراء تلقي ظلا لطيفا على الارض والريح تداعب الاوراق التي تكون منصبغة باللون الذهبي احيانا ..


بعد مضي الوقت ، في الحديقة ، تظهر براعم للزهور ، بتلات الزهور الملونة تجذب النحل والفراشات مذكرة بالانتقال الخفي من فصل لآخر .


منذ بداياتي ككاتب قصص خيالية العام 1979 تعودت بشكل دائم على الكتابة بالتناوب بين القصص القصيرة والروايات .


وكان منهج عملي كالآتي : لما انهي رواية اجد نفسي اني اريد ان اكتب بعض القصص القصيرة ، ولما انهي مجموعة قصصية ما اجد نفسي احب العمل على رواية .


لا اكتب أي قصة قصيرة لما اكون اكتب رواية ، وابدا لم اكتب أي رواية لما اكون في العمل على مجموعة قصصية .اعتقد ان هذين النوعين المختلفين ينتميان الى جزئين مختلفين من الذهن ، والامر يتطلب وقتا لاطفاء الاول ثم تشغيل الجزء الاخر .




[caption id="attachment_71" align="aligncenter" width="175"]غلاف المجموعة القصصية الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة غلاف المجموعة القصصية الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة[/caption]

كان يكفي وحسب بعد بداية عملي مع نشري روايتين قصيرتين(نوفلا )   "اسمع اغنية الريح "، و "بِينبال Pinball" 1973 ، كي ابدأ من العام 1980 الى 81 بكتابة القصص القصيرة ، اول ثلاث قصص كتبتها كانت (قارب بطيء نحو الصين ) ، ( قصة عمٍّ فقير ) ، ( كارثة تعدين في نيويورك ) . (قارب بطيء نحو الصين ) نُشرت في مجموعتي القصصية الاولى التي صدرت بالانجليزية بعنوان ( الفيل يختفي ) ، بينما الاخريات توجد في مجموعتي هذه .هذه هي نقطة انطلاقي ككاتب قصص قصيرة وايضا لما كنت اطور نظامي في التناوب في الكتابة بين القصة والرواية .


"المرآة " ، " يوم مثالي لحيوانات الكانغارو " ، "دابشيك " ، " عام السباغيتي " ، "صعود وسقوط كعك الشيربي " كانوا جميعا في مجموعة قصصية كتبتها من العام 81 الى 82 ، "صعود وسقوط كعك الشيربي" تمثل ، كما يظهر للقراء بسهولة ، انطباعاتي حول العالم الادبي في بداياتي . لكن على شكل قصة خيالية ، لكن في نفس الوقت لا تتلائم مع المؤسسة الادبية اليابانية ، الأمر التي استمر معي ليومنا هذا .


احد مباهج كتابة القصص القصيرة انك لا تستغرق وقتا طويلا لانهائها ، عموما تاخذ مني القصة القصيرة حوالي اسبوع لانهائها واخراجها في شكل لائق ومقبول ( مع العلم ان التعديلات او التنقيحات لا نهاية لها ) ، انها ليست كذلك الالتزام المادي والعقلي على مدار عام او عامين الذي تتطلبه كتابة رواية ما .


يمكن ببساطة ان تدخل غرفتك ، تنهي عملك ، وتخرج . هذا كل ما في الامر ، بالنسبة لي على الاقل كتابة رواية تبدو لي انها ستطول للأبد ، واحيانا اتسائل هل ساعيش حتى انهيها ، لذلك وجدت ان كتابة القصص القصيرة تغيير ضروري وكسر لهذه الوتيرة .


الشيء الجميل الاخر في القصص القصيرة هو انه يمكنك كتابة قصة انطلاقا من ادق التفاصيل الصغيرة –فكرة تزهر في ذهنك ، كلمة ، صورة ..او أي شيء اخر


في معظم الحالات ..وكارتجال في موسيقى الجاز ..تاخذني القصة حيث تريد .الشيء الجميل الاخر في القصص القصيرة هو انه لا داعي للقلق من الفشل ، ان لم تفلح الفكرة كما أملت لها ان تكون يمكنك هز كتفيك والقول انه لا يمكن لكل القصص ان تكون ناجحة.


حتى مع اساتذة هذا الفن كـ ف .سكوت.فتزجرالد وريموند كارفر وحتى انطوان تشيخوف ليس كل قصصهم القصيرة هي تحفة ادبية .


وجدت هذا مريحا .يمكنك التعلم من اخطائك ، (بعبارة اخرى بالنسبة للقصص التي تعتبر نجاحها غير مكتمل ) يمكنك استخدامها في الكتابة بشكل احسن في القصص المقبلة .


بالنسبة لي .عند كتابة رواياتي احاول جاهدا الاستفادة من نجاحاتي وفشلي التي خبرتها في كتابتي للقصص القصيرة .بهذا الشكل تعتبر القصة كمختبر تجريبي لي كروائي ,لانه من الصعب جدا ان تجرب وانت في خضم العمل على رواية كاملة لذا اعتبر انه من دون القصص القصيرة يعتبر العمل على كتابة رواية اكثر صعوبة واكثر تطلبا .



كنت اعرف القليل عن كتابة القصص القصيرة لذا فالبداية كانت صعبة ، لكني وجدت انها تجربة مثيرة .


احسست ان امكانيات عالمي الخيالي قد توسعت لدرجات عليا ، ولاحظت ان قرائي يقدرون هذا الجانب مني ككاتب .



مبدئيا اعتبر نفسي روائياً ، لكن الكثير من الناس اخبروني انهم يفضلون قصصي القصيرة على رواياتي .هذا لا يزعجني ولا احاول اقناعهم بالعكس ، الحقيقة انني سعيد بسماعهم يقولون لي هذا ، قصصي القصيرة مثل ظلال ناعمة اخرجها لهذا العالم ، كاثار اقدام باهتة اتركها خلفي .


اتذكر تماما كل لحظة جلست لاكتب احداها ، وكيف شعرتُ وقتها ، القصص القصيرة كالعلامات الارشادية نحو قلبي . وانا سعيد جدا ككاتب لكوني اشارك هذه المشاعر الحميمة مع قرائي .


"الفيل يختفي " صدرت العام 1991 وترجمت فيما بعد الى العديد من اللغات ، مجموعة قصصية اخرى بالانجليزية (ما بعد الزلزال ) صدرت العام 2002 ( العام 2000 في اليابان ) وهذا الكتاب يحوي ست قصص تتعامل بشكل او باخر مع الكارثة الطبيعية (زلزال كوبي ) الذي حدث العام 1995 لقد كتبت هذه الست قصص بشكل آمل معه ان تكون كصورة واحدة في ذهن القاريء فلذلك الامر تلك المجموعة القصصية هي اكثر من كونها تجميعة لقصص قصيرة ، و من هذا المنطلق ، فهذه المجموعة القصصية : "الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة" ، هي اول مجموعة قصص قصيرة بالمعنى الحقيقي كتبتها منذ فترة طويلة.


بالطبع الكتاب يحوي قصصا كتبتها بعد صدور مجموعة (الفيل يختفي ) ، " فتاة يوم ميلاد " ، "آكلوا القطط " ، " الرجل السابع "، و" رجل الثلج "بعض
هذه القصص .


كتبت ' فتاة عيد الميلاد ' بطلب من الناشر لما كنت اعمل على انطولوجيا (مختارات) لقصص كتّاب اخرين تتعلق بموضوع يوم الميلاد ، يساعدك كونك كاتبا ان تختار قصصا لانطولوجيا ما ، اذ انه لو كان بمقدورك تلخيص قصة ما ، فبامكانك كتابة واحدة .


"رجل الثلج "بالمناسبة مبنية على حلم رأته زوجتي بينما" الرجل السابع" مبنية على فكرة اتتني لما كنت اتجول على الشاطيء واتأمل الموج.


الحقيقة انني من بداية العام 1990 الى بداية العام 2000 كتبت القليل من القصص القصيرة ، لم يكن الامر انني فقدت اهتمامي بالقصة القصيرة ، فقط كنت غارقا في كتابة عدد من الروايات لم اجد وقتا اخر لانهائها ، لم اجد وقتا لانهائها والقيام بكتابة القصص القصيرة بل كتبت قصة قصيرة من وقت لاخر كلما سنح لي ذلك لكنني لم اركز عليهم ، خلافا لذلك كتبت روايات : "يوميات الطائر اللعبة" ، "جنوب الحدود، غرب الشمس"؛ "سبوتنيك الحبيبة"؛ "كافكا على الشاطئ".


وبينها كتبت العمل غير الخيالي الجزئين اللذان صدرا بالانجليزية تحت عنوان ( ما تحت الارض ) كل واحدة من هذه الاعمال اخذت كما هائلا من الوقت والطاقة .في ذلك الوقت كان اهتمامي الاوحد هو كتابة رواية بعد أخرى .


ربما فقط اتى ذلك الوقت من حياتي حيث كتبت (ما بعد الزلزال ) كلحن موسيقى فاصل بين المقاطع لكني كما قلت مجموعة (ما بعد الزلزال ) ليست مجموعة قصصية بالمعنى العادي .


في العام 2005 ، وللمرة الاولى منذ فترة طويلة جدا .شعرت برغبة شديدة في كتابة مجموعة من القصص القصيرة ، رغبة جارفة كما يمكنك القول استبدت بي ، لذا جلست لمكتبي .اكتب قصة قصيرة كل حوالي اسبوع ،وانهيت خمس قصص فيما لا يزيد على فترة شهر ون ثم لم يعد بوسعي التفكير في أي شيء غير هذه القصص لذا فاني كتبتها دون توقف ، هذه القصص الخمسة نُشرت مؤخرا في مجلد في اليابان تحت عنوان ( قصص غريبة من طوكيو ) وقد جُمعت هنا في النهاية في هذا الكتاب .على اساس انهم يشتركون في كونهم قصصا غريبة ، كل قصة يمكن قراءتها بشكل منفصل ، وهم ليسوا مقتطعات من قصة ذات وحدة واحدة كما فعلت في قصص مجموعة ( ما بعد الظلام ) ، مهما كان فكروا بالتالي . أي شيء كتبته هو قل او كثر : قصة غريبة .


"السرطانات " ، " قصة عم فقير " ، و "الصفصافة العمياء ـ المرأة النائمة " تمت مراجعتها وتنقيحها بشكل كبير قبل ترجمتها ، لهذا هي تختلف عن تلك التي نشرت في اليابان ، وبالنسبة للقصص الاقدم وجدت بعض الخلل الذي لم يسرني لذا قمت ببعض التعديلات الخفيفة .


علي القول ايضا انه في العديد من المرات اعيد كتابة قصص قصيرة وادمجها في الروايات ، وهذه المجموعة تحوي العديد من هذه النماذج " لعبة الطائر وامراة يوم الثلاثاء "( توجد في مجموعة الفيل يختفي ) اصبحت نموذجا للمقطع المفتوح لرواية "يوميات لعبة الطائر" وبهذا الشكل ايضا قصة "اليراع " و " آكلوا القطط " مع بعض التغييرات دمجت على الترتيب في رواياتي ' الغابة النرويجية " و " سبوتنيك الحبيبة " . مضى عليها وقت كنت كتبتها كقصص قصيرة لكن بعد نشرها امتدت وتوسعت في ذهني واصبحت روايات.


القصة القصيرة التي كتبتها منذ فترة طويلة تدخل منزلي تهزني كي استيقظ وتصرخ فيّ ( هاي ..هذا ليس وقت النوم !!، لا يمكنك نسيان امري ،هناك الكثير لكتابته )


بدافع من هذا الصوت اجدني اكتب رواية .وبهذا الشكل ايضا القصص القصيرة والروايات تندمج بشكل طبيعي داخلي .


الكثير من الناس دفعوني وشجعوني على كتابة القصص القصيرة ، كل مرة ارى فيها ماندا ايربان ، وكيلي لدى ICM, تكرر لي هذا كتعويذة ( هاروكي! اكتب المزيد من القصص القصيرة !)  غراي فيسكتجون لدى دار نشر" كنوبف" ناشر مجموعة (الفيل يختفي ) هو ايضا محرر هذه المجموعة ( الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة ) وكان دوره محوريا في اخراجها للطبع .ايضا جاي روبن و فيليب جبرييل ، عملي المُجِهد ، المترجمين المحترفين ، لهم لمستهم الفريدة ايضا وانه لمن دواعي سروري ان اقرأ قصصي عبر ترجماتهم الراقية ، ايضا انوه الى انني الهمت جدا بواسطة ديبوراه تايزمان .وسلفته لندا آشر المحررين لدى مجلة نيويوركر التي نشرت العديد من قصصي شكرا لهم جميعا .هده مجموعة قصصية جديدة تنشر لي وككاتب قصص قصيرة لا يمكنني ان اكون اكثر سعادة مع ما انجزناه هنا .


هاروكي موراكامي .


مقدمة لمجموعته القصصية ( الصفصافة العمياء ، المرأة النائمة ) التي تحتوي 24 قصة قصيرة .