سوق المترجمين العرب (نموذج أولي لبزنسها). يتم التشغيل بواسطة Blogger.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ترجمة المجموعة القصصية الصفصافة العمياء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ترجمة المجموعة القصصية الصفصافة العمياء. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 8 سبتمبر 2014

المرآة / قصة قصيرة هاروكي موراكامي – ترجمة جهان سمرقند

حول قصة ” المرآة  “


هناك مقولة شهيرة في الادب ، خرجت من حكايات وقصص الهرم الادبي بورخيس ، ان المرآة والجماع بغيضان لانهما يضاعفان عدد البشر ! وردت هذه العبارة في احدى قصص بورخيس المعروف عنه كرهه للمرايا . والمرآة بالتحديد هنا مقصودة من هاروكي موراكامي لاستعمالها في قصته هذه التي لن نروي احداثها كي لا نحرقها انما نقول انها مماثلة/متناصة وتحيل الى  قصة بورخيسية يلتقي فيها بورخيس مع ذاته ويجري حواراً.


وهذه القصة مهمة ومحورية بالنسبة للمجموعة ككل اي المجموعة المقتطفة منها وهي الصفصافة العمياء المرأة النائمة ،لماذا .. لان الراوي يبدا بحكاية حكاية امام رواة اخرين يستمعون له .. ولهذا يمكن جدا ان تكون كل المجموعة مرتبطة (اي عبارة عن حكايات يحكيها الناس في المجالس كل مرة وياتي دور واحد ) وهذا ما لم يلمح له هاروكي بل اكد ان القصص منفصله وهذا الامر من العاب الروائيين الشيقة ككل .حدثت هذه التقنية الشيقة ايضا في رواية حكايا ايفا لونا لايزابيل اللندي .حيث تبدو القصص منفصلة تماما حتى ما ان تقارب نهاية الرواية لتعرف انها مرتبطة اشد الارتباط .. وهذا ما فعلته ايضا بتجديد ادبي تشكر عليه ودون الاطلاع على هذه الاعمال من قبل ، الاديبة جهان سمرقند في كتابها القصصي امتداد الظل .


اني لمسرورٌ للغاية اني في هذا الفريق لترجمة مثل هذه الروائع ، وهذا ما يلخص كل مشاعري كي لا استمر بالثرثرة واترككم مع احدى روائع موراكامي بترجمة جهان سمرقند .



” المرآة  “



قصة لهاروكي موراكامي


ترجمة: جهان سمرقند


 

[caption id="attachment_238" align="aligncenter" width="500"]قصة قصيرة هاروكي موراكامي قصة قصيرة هاروكي موراكامي[/caption]



كل القصص التي رويتموها الليلة تبدو واقعة ضمن فئتين، فهناك فئة حيث تجد عالم الأحياء من جهة، و عالم الأموات من جهة أخرى، و بعض القوى التي تسمح بالعبور بين الجهتين، و يشمل هذا الأشباح و ما شابههم. أما الفئة الثانية فتتضمن القدرات الخارقة، الهواجس، و القدرة على التنبؤ بالمستقبل. كل قصصكم تنتمي إلى واحدة من الفئتين.


 

في الواقع، تجاربكم  تندرج ضمن واحدة منهما. ما أعنيه، أن الناس الذين يرون الأشباح يرون فقط الأشباح و لا هواجس لديهم إطلاقا. و الذين تتملكهم الهواجس لا يرون الأشباح. لا أدري لما، لكن على ما يبدو أنها نزعة فردية إلى واحدة منهما، هذا انطباعي على الأقل.


هناك بالتأكيد من لا ينتمون إلى أي فئة، و على سبيل المثال أنا. فعندما بلغت ثلاثين سنة و نيف لم أكن قد رأيت شبحا يوما في حياتي، و لم تتملكني أية هواجس و لا رؤى.  حدث مرة أن كنت في مصعد مع زوجين من الأصدقاء و قد أقسموا أنهم قد رأوا شبحا معنا، لكنني لم أرى شيئا. و ادعوا أنها كانت امرأة ببدلة رمادية تقف تماما بقربي، لكن لم تكن هناك أي امرأة، على الأقل بقدر ما يمكنني تصديق ذلك. كان ثلاثتنا فقط في المصعد، أنا لا امزح، و لم يكن هذين الصديقين من النوع الذي يخطط للقيام بمقلب لي. كان الأمر برمته غريبا، لكن تبقى حقيقة أنني لا زلت لم أرى شبحا على الإطلاق.


لكن كانت هناك مرة – فقط مرة واحدة- مررت فيها بتجربة أرعبتني و أفقدتني صوابي.  حدث هذا قبل عشر سنوات، و لم أخبر به أحدا قط. كنت خائفا حتى من الحديث عن الأمر. أحسست أنني لو فعلت فإن الأمر سيتكرر ثانية، و لذا لم أُثر الموضوع. لكن الليلة تحدّث كل واحد منكم عن تجربته الخاصة، و بصفتي المضيف لا يمكن أن أسميها ليلة دون أن أشارك فيها بقصة من عندي.  لذا قررت أن أدخل في الموضوع مباشرة و أخبركم قصتي. ها هي إذن:


تخرجت من الثانوية العامة في نهاية 1960، حينما بلغت الحركة الطلابية أوجها للتو. و كنت جزء من جيل الهيبيين، و رفضت الذهاب إلى الكلية، و بدلا عن ذلك، جلت جميع أنحاء اليابان أمتهن الحرف.  كنت مقتنعا أن هذه هي أكثر طريقة صائبة للعيش. يافع و متهور، هكذا بإمكانكم أن تنعتوني. عندما أعيد النظر إلى تلك المرحلة من حياتي، على الرغم من كل شيء، أعتقد أنني حظيت بحياة ممتعة  وقتها. و سواء كان الخيار صائبا أم لا، فإنه لو أتيحت لي العودة للماضي مرة أخرى، فأنا متأكد من أنني  سأعيش بنفس الطريقة مرة أخرى.


في خريف السنة الثانية من التجوال عبر البلاد، حصلت على عمل لشهرين كحارس ليلي في مدرسة إعدادية. كان هذا في مدرسة ببلدة صغيرة في محافظة نيجاتا. كنت قد أُنهكت من العمل طيلة الصيف، و أردت أخذ الأمور ببساطة لفترة. أن تكون حارسا ليليا ليس بالأمر المعقد، فقد كنت أنام خلال النهار في مكتب البواب، و في الليل كل ما كان عليّ فعله هو القيام بجولتين حول المدرسة للتأكد من أن كل شيء بخير، أما باقي الوقت فقد كنت استمع للتسجيلات في غرفة الموسيقى، اقرأ الكتب في المكتبة، و ألعب كرة السلة لوحدي في قاعة الرياضة. أن تبقى وحيدا طوال الليل في مدرسة لم يكن حقا بالأمر السيئ. هل كنت خائفا؟ إطلاقا. فعندما تكون في الثامنة عشر أو التاسعة عشر من العمر لا شيء يرعبك.


لا أتصور أن هناك  منكم من عمل يوما كحارس ليلي، لذا أظن أنه عليّ أن أشرح طبيعة العمل و واجباته. يُفترض أن تقوم بجولتين كل ليلة، واحدة على الساعة التاسعة ليلا و الأخرى على الثالثة فجرا، هذا هو البرنامج. كانت المدرسة بناءا جديدا من ثلاث طوابق، من ثمانية عشر إلى عشرين حجرة دراسية،و لم تكن بالمدرسة الكبيرة كباقي المدارس. بالإضافة إلى الحجرات هناك قاعة الموسيقى، و حجرة التدبير المنزلي، أستوديو للفنون، مكتب الموظفين، و مكتب المدير، بالإضافة إلى كافيتريا منفصلة، مسبح، صالة رياضة، و قاعة محاضرات.  كانت مهمتي أن أقوم بمراقبة سريعة لكل هذا.


أثناء القيام بجولاتي، كنت أتّبع قائمة تَحَقُّق مكوّنة من عشرين نقطة، حيث أضع علامة "تمّ" أمام كل نقطة أنتهي من التحقق منها: مكتب الموظفين تمّ ، مخبر العلوم تم... أظن أنه كان بإمكاني البقاء في السرير في غرفة البواب، أين أنام ، و أضع علامات التحقق على القائمة دون تكبد عناء القيام بالجولة. لكنني لم أكن من ذلك النوع العشوائي من الشباب. لم تكن الجولة تستغرق وقتا طويلا، ضف إلى ذلك، إذا ما سطا أحدهم على المكان أثناء نومي، فأنا أول من سيتعرض للهجوم.


على كل حال، كنت هناك على التاسعة و النصف كل ليلة، أقوم بجولاتي،أحمل  المصباح في يدي اليسرى، و في يمناي سيف كيندو خشبي. مارست الكيندو في الثانوية  و أحسست بالثقة في قدرتي على التصدي لأي كان، و إذا كان الذي يهاجمني مجرد هاو، حتى و لو كان يحمل سيفا حقيقيا، فإن هذا لن يخيفني. لا تنسوا أنني كنت شابا آنذاك، أما إن حدث أمر كهذا الآن، فإنني سأفر كالجبان.


على أي حال، حدث هذا في ليلة عاصفة في بداية أكتوبر، في الواقع يكون الجو رطبا نوعا ما في هذا الوقت من السنة. كان سرب من البعوض يحوم في الجوار ذاك المساء، و أتذكر أنني قمت بحرق قرصين مبيدين للحشرات لإبقائه بعيدا. كانت الريح عاتية، و كانت بوابة المسبح مكسورة ما جعل الريح تصفقها ذهابا و إيابا. فكرت في إصلاحها، لكن الظلام كان حالكا، لذا ظلت تصفق بقوة طوال الليل.


مرت جولة التاسعة و النصف بخير، و تم التحقق من كل النقاط العشرين على القائمة بشكل دقيق. كانت كل الأبواب مغلقة، و كل شيء في مكانه. لا شيء غير عادي. فعدت إلى غرفة البواب، و ضبطت منبهي على الثالثة، و غرقت في النوم بسرعة.


عندما رن المنبه على الثالثة، ، استيقظت و شعور غريب الذي كان يراودني. لا يمكنني شرح الأمر، لكني شعرت أني مختلف.  لم أشعر بأنني أنهض، بل كأن هناك شيء ما يكبت رغبتي في النهوض من الفراش، لاسيما أنني من النوع الذي يقفز مباشرة من فراشه، لذا لم استطع فهم الأمر. كان عليّ إجبار نفسي على النهوض و الاستعداد للقيام بجولتي. كانت بوابة المسبح لا تزال تواصل إيقاع ضربها، لكنه الآن مختلف عما سبق. فكرت في أن هناك شيء غريب يحدث بالتأكيد، و ترددت في الذهاب. لكن أقنعت نفسي أنه عليّ القيام بعملي، مهما حدث. ذلك أن المرء إن تهرّب من القيام بواجبه مرة، فإنه سيتهرب مرارا، و لم أشأ أن أقع في أمر كهذا. لذا حملت مصباحي  و السيف الخشبي و انطلقت.


كانت ليلة غريبة تماما. كان صرير الريح يزداد مع مرور الليل، و الهواء يتشبع أكثر بالرطوبة. بدأت الحكة تسري في جسدي و  لم أستطع التركيز.  قررت أن أبدأ بصالة الرياضة و قاعة المحاضرات و المسبح. كان كل ما تحققت منه على ما يرام. و كانت بوابة المسبح تهتز تحت وقع الريح كشخص مجنون يهز رأسه حينا و يومئ به حينا آخر، بشكل عشوائي. أولا إيماءتين: نعم، نعم ثم لا، لا، لا .. أعلم أن هذا التشبيه غريب، لكن هكذا بدا لي الأمر حينها.


كان الوضع عاديا داخل مبنى المدرسة. تحققت من الأمكنة و سجلت ذلك على قائمتي، لا شيء خارج المألوف يحدث، رغم الشعور الغريب الذي يراودني. مرتاحا قفلت راجعا إلى غرفة البواب. كان آخر مكان في قائمتي هو غرفة المرجل المحاذية للكافيتريا في الجانب الشرقي للمبنى، و المقابل لغرفة البواب، ما يعني أنه عليّ أن أمشي على طول الرواق بالطابق الأول في طريق عودتي. كان الظلام دامسا.، ففي الليالي التي لا يحجب فيها القمر، يكون الرواق مضاءً بعض الشيء، أما إن حُجب القمر فلن تستطيع رؤية شيء.


كان عليّ أن أسلط ضوء المصباح أمامي لأرى طريقي.  في تلك الليلة الخاصة، لم يكن الإعصار ببعيد، لذا كان القمر محجوبا. من وقت إلى آخر ، يتسلل نوره من بين السحب، لكن سرعان ما يغرق المكان في العتمة من جديد. كنت أمشي في الرواق أسرع من المعتاد، و كان أسفل حذائي الرياضي المطاطي يحدث صريرا إذ يحتك بالأرضية المشمعة. كان المشمع بلون أخضر كسرير مضبب بالطحالب، يمكنني حتى الآن استحضار صورته. كان مدخل المدرسة في المنتصف أسفل الرواق، و عندما مررت به فكرت، ما هذا ال ـــــ؟ خلت أنني رأيت شيئا في الظلام. فبدأت أتصبب عرقا، أحكمت قبضتي على السيف الخشبي، و استدرت ناحية ما رأيت، و سلّطت ضوء المصباح على الحائط المقابل لرفوف تخزين الأحذية.


و هناك كنت أنا، بعبارة أخرى لقد كانت مرآة، و لم يكن إلا انعكاس صورتي فيها. لم تكن موجودة في الليلة سابقة، لابد أنهم قاموا بتثبيتها في النهار. لقد كنت مذهولا يا رجل. لقد كانت مرآة طويلة، بالطول الطبيعي للإنسان. فارتحت لأن الأمر كان مجرد انعكاس لصورتي على المرآة، و شعرت قليلا بالغباء من كوني تفاجأت من هذا. إذن هذا كل ما في الأمر ، قلت في نفسي.  يا له من غباءǃ. وضعت مصباحي أرضا، و أخذت سيجارة من جيبي، و  أشعلتها. نظرت إلى نفسي في المرآة و أنا أسحب نفسا من سيجارة، لاح ضوء خافت من الخارج عبر النافذة وصولا إلى المرآة، و كانت بوابة المسبح من خلفي تهتز على وقع الريح.


بعد سحب بضع أنفاس من السيجارة، لاحظت فجأة شيئا غريبا، و هو أن الصورة المنعكسة على المرآة لم تكن لي. ظاهريا تبدو مثلي تماما، لكنها لم تكن أنا بكل تأكيد.  كلا، لم تكن انعكاسا، بل كانت أنا، لكنها أنا آخر. أنا آخر ما كان يجب أن يكون إطلاقا. لا أدري كيف أعبر عن الأمر، لكن من الصعب شرح ما أحسسته حينها.


الأمر الوحيد الذي فهمته هو أن هذا الشخص يكرهني. كان بداخله كره يشبه جبلا من الجليد يطفو على بحر مظلم. ذلك النوع من الكره الذي ليس بإمكان أحد أن يخفف منه إطلاقا.


وقفت هناك لفترة، مندهشا. انزلقت سيجارتي من بين أصابعي و سقطت على الأرض، و كذلك سقطت السيجارة التي في المرآة. كنا واقفين هناك، نحدّق في بعضنا. أحسست أنني كنت مقيّد اليدين و القدمين و لم استطع الحراك.


و أخيرا تحرّكت يده، و لامست أنامل يده اليمنى ذقنه، ثم كحشرة، زحفت ببطء على وجهه. أدركت فجأة أنني كنت أقوم بالشيء نفسه، وكأني كنت أنا انعكاسا لما في المرآة و الذي كان يحاول أن يسيطر عليّ .


مستجمعا ما تبقى لي من قوة صرخت و انقطع الوثاق الذي كان يبقيني متسمّرا في المكان. رفعت سيف الكيندو و هويت به على المرآة بكل ما أوتيت من قوة،و سمعت صوت الزجاج يتهاوى لكن لم انظر إلى ورائي و أنا أهرع إلى غرفتي. و بمجرد أن دخلتها، أسرعت إلى غلق الباب و وثبت تحت الأغطية. كنت قلقا من السيجارة التي ألقيتها على الأرض، لكن كان من المستحيل أن أعود إلى هناك. كانت الريح تهدر طوال الوقت، و ظلت بوابة المسبح تحدث الجلبة حتى الفجر. نعم، نعم، لا، نعم ، لا، لا، لا..


أنا متأكد من أنكم قد خمّنتم مسبقا نهاية قصتي.


لم يكن هناك مرآة على الإطلاق.


عند طلوع الشمس، كان الإعصار قد مر. توقفت الريح و جاء يوم مشمس.  ذهبت إلى المدخل، و كان عقب السيجارة الذي قذفته هناك، و كذلك سيفي الخشبي، لكن لا وجود لمرآة، و لم تكن هناك أبدا أية مرآة.


ما رأيته لم يكن شبحا. كان ببساطة " أنا". لا يمكن أن أنسى أبدا الرعب الذي عشته ليلتها، و كلما تذكرت الأمر،  تراودني دائما فكرة أن أكثر ما يرعب في هذا العالم هي ذواتنا. ما رأيكم؟


ربما قد لاحظتم أنه لا يوجد في بيتي مرآة واحدة. لم يكن تعلم الحلاقة دون مرآة بالأمر السهل، صدقوني.



ترجمها إلى الإنجليزية :فيليب غابريال


للعربية : جهان سمرقند .


ظهرت الترجمة اولاً في مدونة جهان سمرقند . 2014.


الأحد، 31 أغسطس 2014

عام السباغيتي / قصة قصيرة هاروكي موراكامي - ترجمة محمود حسني

***


تقديم 


مسرور برؤيتي ترجمتين للكاتب والمترجم محمود حسني والكاتبة جهان سمرقند لقصتين جميلتين لهاروكي موراكامي من مجموعته القصصية المميزة الصفصافة العمياء انه لجهد مبارك وجميل جعلني افخر بهذا العمل الذي قدمناه انه جهد متواضع ايضا وانحناءة ادبية لكل اولئك المترجمين الذي عملوا بصمت وعلمونا من خلال ترجماتهم ورحلوا بصمت وقدموا للعالم الكثير اقول لهم (اسف لاننا اتينا متاخرين لهذا العالم ) . من بداية المترجمين العرب .. لا ادري!بل من بداية الترجمة الانسانية ككل ...منذ فكرة الحق بلبلة الالسنة والاحتياج للترجمة اصلا ..كل اولئك الذين عملواعلى تقريب الانسانية عبر الترجمة هم الادباء والمترجمون .وكما قلنا في بداية قصة ترجمتها لهاروكي ان الترجمة هي المعين الاساسي للادب .فهاروكي ترجم سالنجر وبول اوستر ترجم الفرنسية للانجليزية وبودلير هرم الشعر الفرنسي ترجم لهرم الشعر الانجلزي بو .مارسيل بروست احد اباء الرواية الحداثية ترجم لرسكن وريلكه الشاعر المرهف ترجم للكثيرين وفي عالمنا العربي الان ترجم الاديب عدنان مبارك والروائي غالب هلسا هنا حيث يتقاطع الادب والترجمة والبلد بالبلد والثقافة بالثقافة. انه جهد متواضع لكني فخور به كما قلت واقدمه كانحناءة للمترجمين العرب الذين انفقوا الكثير من نور اعينهم كي نتمتع بروائع ومهما كانت اجادتنا للغات اخرى فانه لا يوجد ما هو احلى ان تقرأ العالم بلغة الام ورائحة الام بين رغيف ساخن وقهوة اعدتها يد تحبك . مليءٌ قلبي بالفرح ..ممتليء فؤادي بالفخر ...والان كي لا اطيل الكلام لاقدم ببساطة (مع معلومات تقديمية للقصتين –ويمكنكم تجاوز المقدمة ان اردتم قراءة القصة وحسب ) ..وليبارككم الرب اينما كنتم .


حول قصة " عام السباغيتي "


انه لمن المعروف ان ماركو بولو يعتبر رحالة شهيرا زار اسيا وعرف الاوربيين على اسيا العصور الوسطى .. رحلة ماركو نفسها مهمة جدا لفهم هذه القصة .. لان قصة هاروكي تنتهي بالجملة التالية "هل يمكنك أن تتخيل كيف ستكون دهشة الإيطاليين إن علِموا أن ما صدروه عام 1971 في حقيقة الأمر لم يكن سوى العزلة الخالصة؟ " بينما يعتبر ماركو بولو قد احاط بالعالم وزار العديد جدا من البلدان .. وهناك اسطورة كما تقول الويكيبيديا انه هو من اتى بالباستا التي هي شكل من السباغيتي للاوروبيين ثم من دوائر الدهر والقدر صدر الايطاليون السباغيتي لاسيا ! اعتقد ان هذه الفكرة مهمة من وجهة نظري لفهم الجملة الاخيرة للقصة لان هاروكي تقصدها اكيد .. فهناك علاقة بين -العزلة / السفر والانتفاح اشارة الى العولمة اشارة الى انفرادية الانسان اشارة الى الاهتمام بالامور الشخصية والانعزالية ..اشارة الى العديد من الاشياء .


في تقديمي هنا لم احلل القصة ولا الترجمة التي كانت جيدة جدا ، فقط اوضحت هذه النقطة الاخيرة لان تحليل القصة كاملا يتطلب وقتا وجهدا اكبر .وكذلك ما سنفعل في تقديمنا لقصة المرآة .نركز فقط على نقطة ونشرحها ونترك الباقي كي يستنتجه القاريء الحصيف ويفيدنا به .


للاستزادة : رأي القاص والمترجم والاديب هلال شومان في القصة : هنا.


[caption id="attachment_229" align="aligncenter" width="500"]قصة قصيرة قصة قصيرة[/caption]


عام السباغيتي


 

ترجمها من اليابانية للإنجليزية: فيليب جابرييل ترجمها من الإنجليزية للعربية: محمود حسني



كان عام 1971 هو عام السباغيتي. لم أكن أفعل شئ في حياتي سوى طهي السباغيتي. دائما ما شعرت بالبهاء والسعادة كلما رأيت بخار السباغيتي يتصاعد من إناء الألومنيوم أثناء طهيها. كانت رغبتي الوحيدة تكمن في أن أراقب صلصة الطماطم وهي في المقلاة، تنضج على النار حتى تكون جاهزة كصوص من أجل السباغيتي.


في ذلك العام، أتذكر أنني قد ذهبت إلى متجر خاص بمستلزمات المطبخ واشتريت موقت للطبخ ووعاء كبير من الألومنيوم يصلح لطهي السباغيتي. كان كبيرا بدرجة لدرجة مدهشة. ثم أخذت أتنقل بين الأسواق، واشتريت الكثير من الطماطم، وقمت بجمع مجموعة متنوعة من التوابل النادرة. مررت على محل لبيع الكتب واخترت كتاب لطرق عمل الباستا. واشتريت كل نوع من السباغيتي وجدته أمام عيني، وطهوت من صوص الطماطم كل نوع من الممكن أن يكون قد سمع به شخص ما.


أتذكر رائحة زيت الزيتون مع قطع البصل والثوم الصغيرة تملأ فضاء شقتي، وخاصة الركن الذي يقبع فيه المطبخ. وبمرور الوقت، انتشرت الرائحة في جميع أرجاء المكان. وتغلغلت في أرض الشقة وسقفها وجدرانها، في ملابسي وكتبي وسجلاتي. حتى أنني كنت استطيع أن أجدها بين حزم رسائلي القديمة. إنها رائحة كالتي كان من الممكن أن تجدها في أزقة روما القديمة.


هكذا كان عام 1971، عام السباغيتي.


كنت أقوم بطهي السباغيتي وتناولها بمفردي. أصبح هذا الأمر بمثابة قاعدة لي، مقتنعا أن أفضل طريقة للاستمتاع بتناول طبق من السباغيتي عندما تكون بمفردك. في الحقيقة، لا أستطيع تفسير لماذا كان ذلك الاقتناع بداخلي، ولكن هكذا كان الأمر.


كنت أجلس إلى الطاولة واضعا الشاي والقليل من سلطة الخس والخيار -كان على أن اتأكد بشكل دائم من أن لدي الكثير منهما- مع السباغيتي، مستمتعا بتناول وجبتي على مهل، مُنهِيا كل ما تحتويه، تاركا الأطباق فارغة، تكاد تبدو مثل نظيراتها النظيفة. هكذا كنت على مدار الأسبوع من بدايته إلى نهايته. وعندما يبدأ أسبوع جديد، ابدأ رحلة جديد مع نوع جديد من السباغيتي.


في كل مرة جلست لأتناول السباغيتي، خاصة في الأيام الممطرة، ينتابني شعور غريب بأن هناك شخص ما سيطرق باب شقتي. وفي كل مرة أتخيل شخصا مختلفا: أحيانا أتخيل أنه شخص غريب، أحيانا أخرى أتخيل أنه شخص أعرفه، في مرة تخيلت أنها فتاة ذات سيقان ممشوقة كنت قد واعدتها في المدرسة الثانوية، وفي مرة تخيلت أنه أنا من يقف وراء الباب وقد جئت من سنوات قليلة ماضية لزيارتي الآن، وفي أوقات أخرى لم أكن أتخيل أنه قد يكون سوى ويليام هولدن وجينيفز جونز بين ذراعيه.


في حقيقة الأمر، لا أحد من هؤلاء غامر وأتى إلى شقتي. فقط كانوا في ذاكرتي كقطع السحاب التي تحوم حول الباب ولا تلبث إلا وتتلاشى.


على مدار ذلك العام، كنت أطهو السباغيتي وكأنني أمارس عملا انتقاميا. كفتاة هجرها حبيبها وهاهي تلقي برسائله في نار الموقد. مثلها، كنت ألقي بأعواد السباغيتي في وعاء الطهي.


أمسك ببعض السباغيتي بيديّ، أجمع الأعواد مع بعضها البعض بشكل جيد، ومن ثم أضعها في الماء المغلي وأنثر عليها بعض الملح. وبعدها، أظل واقفا بجوار نار الموقد، أحوم حول وعاء الطهي وفي يدي أعواد تناول الطعام اليابانية الشهيرة، من النوع الكبير، منتظرا جرس موقت الطبخ الذي بدت نغمته حزينة بشكل لم أفهمه.


كنت أتخيل أعواد السباغيتي وكأنها شياء ماكرة. ولهذا لا يمكنني السماح لها أن تغيب عن ناظريّ. فربما إن أدرت لها ظهري في مرة، قد تنزلق من فوق حافة الوعاء وتتلاشى بين جنبات الليل. كغابة استوائية تنتظر لبرهة من الوقت، في ليلة يغشاها الصمت، لتبتلع الفراشات الملونة في لحظة تشعر أن الزمن قد توقف فيها، وكأنها لحظة خلود.


أخذ يتردد في ذهني أنواع السباغيتي بالإيطالية


سباغيتي آلا بارميجانا


سباغيتي آلا نابوليتانا


سباغيتي آل كارتوسيو


سباغيتي آليو أوليو


سباغيتي آلا كاربونارا


سباغيتي دي لابينا


كان مصير الكثير من السباغيتي أن تُلقى على أحد رفوف الثلاجة بلا اكتراث. هذه الأعواد التي وُلِدت بين يدي فوق نار الموقد، وغسلتها بنهر الماء الذي غسلت به السباغيتي في ذلك العام، ومن ثم اختفت وكأنها لم تكن. في النهاية لم أملك شيئا سوى الرثاء لكل السباغيتي التي طهوتها.


في ديسمبر من ذلك العام، في الثالثة وعشرون دقيقة، رن جرس الهاتف. كنت مستلقيا على الحصير كشئ فارغ، مثل ذبابة ميتة، محدقا في السقف، وبقعة من ضوء الشمس تسقط على المكان الذي أرقد فيه وكأنها تشكله.


في البداية، لم أستطع التحقق إن كان حقا صوت جرس الهاتف. وكأنه ذكرى لشئ قديم غريب عني أخذ ينبعث بين طبقات الهواء في الغرفة. في النهاية، أخذ الصوت يتشكل في ذهني لأتأكد بما لا يدع مجال للشك أنه صوت جرس الهاتف. وعلى الرغم من أنني مكثت مستلقيا على الحصير، إلا أنني التقط سماعة الهاتف.


على الطرف الأخر كان هناك صوت غير واضح لفتاة، تبينت في النهاية أنها صديقة سابقة لصديق لي. شئ ما حدث بينهما وجعلهما ينفصلان. عليّ أن أعترف على مضض أنني لعبت دورا في الجمع بينهما في أول مرة التقيا فيها.


قالت: آسفة لأنني أزعجتك، هل تعلم أين هو؟


نظرت إلى الهاتف، ماسحا بنظري السلك الواصل إليه، كان طوله كافيا بالتأكيد ليتم توصيله بالهاتف. في النهاية تمكنت من الرد عليها بشئ مبهم. أحسست حينها أن هناك ما هو مشؤوم في صوت هذه الفتاة. وأن هناك مشكلة ما تختمر في إحدى الأركان، ولهذا لم يكن لدي رغبة في أن أتورط في أي شئ يخصها.


قالت بنبرة باردة غير مريحة: لا أحد سيقول لي أين هو، الجميع يتظاهر بأنهم لا يعلمون.ولكن هناك شئ مهم أود أن أقوله له. ولهذا أرجوك قل لي أين هو، وأعدك بأنني لن أورطك في أي شئ، ولن أخبره أنني عرفت طريقه من خلالك.


قلت لها: في حقيقة الأمر، أنا لا أعرف أين هو، لم أره منذ فترة طويلة.


كان صوتي لا يشبه الصوت الذي تعودت على سماعه. كنت أقول الحقيقة حول أنني لم أره منذ فترة طويلة. ولكنني كذبت بخصوص أنني لا أعرف أين هو. لأنني كنت أعرف عنوانه ورقم هاتفه. كنت كلما أتفوه بكذبة، شئ ما غريب يحدث لصوتي.


لم أجد منها أي تعليق.


وكأن الهاتف قد تحول إلى لوح من الثلج.


ثم بدأت الأشياء من حولي تتحول إلى ألواح من الثلج، وكأنني في قصة خيال علمي لـ ج. بالارد G. J. Ballard.


كررت لها: في الحقيقة، لا أعلم أين هو. لقد ذهب منذ فترة طويلة ولم يقل شيئا لي.


ضحكت الفتاة: حسنا، دعني أفكر، هو ليس بفطن للغاية، نحن نتحدث عن شخص دائما ما أحدث صخبا فيما يفعل بغض النظر عن جدواه أو أهميته.


لقد كانت محقة فيما تقول. فهو لم يكن فطنا بما يكفي.


ولكن هذا ليس معناه أنه يجب عليّ أن أخبرها أين هو. إفعل ذلك، وفي المرة القادمة ستتلقى مكالمة بها الكثير من التوبيخ القاسي. كنت بعيدا عن مشاكل وعبث الآخرين. كالذي حفر حفرة في الفناء الخلفي ودفن فيها كل ما يحتاج أن يُدفن. ولم يكن لي أن أسمح لأحد بأن يحفر من جديد مُخرِجا شيئا من هذه الأشياء.


قلت: أنا آسف


قالت فجأة: أنت لست مرتاحا إليّ، أليس كذلك؟


لم يكن لدي أدنى فكرة عما تقول، فأنا لا أكرهها على نحو خاص، كل ما في الأمر أنه ليس لدي انطباع اتجاهها. إنه من الصعب أن يكون لديك مشاعر سيئة نحو شخص ليس بداخلك شئ اتجاهه من الأساس.


قلت: أنا آسف، ولكنني الآن أطهو سباغيتي.


قالت: ماذا؟


قلت: لقد قلت أنني أطهو سباغيتي.


كنت أكذب، ليس لدي أدنى فكرة لماذا قلت ذلك. ولكن هذه الكذبة كانت جزء مني ومن حياتي. في الحقيقة، في هذه اللحظة، لم أكن أشعر أنني أكذب على أي حال.


انطلقت بخيالي وملأت وعاء الماء الوهمي، وأوقدت نار الموقد الوهمي بأعواد الثقاب الوهمية.


قالت: وهذا يعني؟


نثرت الملح الوهمي على الماء المغلي، وبلطف وضعت السباغيتي الوهمية داخل الوعاء الوهمي. ثم ضبط موقت الطبخ الوهمي على اثني عشر دقيقة.


قلت: وهذا معناه أنه لا يمكنني الحديث، لأن السباغيتي سوف تفسد لو تركتها على الموقد.


لم تقل شيئا.


قلت: أنا آسف، ولكنني أحتاج إلى تركيز من أجل طهي السباغيتي.


ظلت الفتاة صامتة، وبدا أن الهاتف سوف يتجمد من جديد بين يدي.


ثم أضفت على عجل: إذا هل يمكنك مكالمتي لاحقا؟


سألت: لأنك تطهو السباغيتي.


قلت: نعم


سألت: هل تطهوها من أجل أحد ما، أم ستتناولها وحدك؟


قلت: سأتناولها وحدي.


كتمت أنفاسها للحظة بدت طويلة، ثم أخرجت زفيرها وقالت: لا أجد طريقة لأجعلك تعلم ما أنا فيه. ولكنني في مشكلة حقيقية ولا أدري ماذا أفعل.


قلت: آسف، ليس في وسعي مساعدتك.


قالت: إن الأمر يتعلق ببعض الأموال التي اقترضها مني


قلت: يمكنني تفهم ذلك.


قالت: هو مدين لي، لقد قدمت له بعض المال، لم يكن علي أن أفعل ذلك، ولكن هذا ما حدث.


بقيت صامتا لدقيقة، وأفكاري كلها تنجرفت نحو السباغيتي الوهمية، ثم قلت: ولكن عليّ أن أذهب الآن لأن السباغيتي ســ.....


صدر منها ضحكة فاترة وقالت: إلى اللقاء. أخبر السباغيتي الخاصة بك سلامي لها. آمل أن تكون مطهوة على خير حال.


قلت: وداعا.


عندما وضعت سماعة الهاتف، كانت بقعة الضوء قد انحرفت عن مكانها على الأرض بمقدر إنش أو اثنين. فعدت لأرقد تحتها من جديد. وبقيت أحدق في السقف كما كنت من قبل .


كان تفكيري يأخذني لتخيل أن هناك نوع من السباغيتي من الممكن أن يظل يغلي في الماء إلى الأبد دون أن ينضج أبدا وهو الأمر الذي بدا لي أنه يبعث على الحزن.


الآن، أشعر ببعض الندم لأنني لم أخبر الفتاة عن أي شئ. ربما كان يجب عليّ مشاركتها ما أفعل. أعني أن صديقها السابق لم يكن يعني لها الكثير. الأمر كله كان يتمحور حول المال، وسينتهي الموقف عندما يعيد لها المال الذي أقترضه منها.


أحيانا أتسائل ماذا حدث للفتاة؟ كانت ذكراها تقفز إلى ذهني عندما يكون البخار يتصاعد من طبق السباغيتي الساخن. هل اختفت للأبد بعدما أغلقت الهاتف في في الرابعة والنصف عصرا من ذلك اليوم؟ هل يجب أن ألوم نفسي ولو جزئيا على ما حدث لها؟


أنا أريدك أن تتفهم موقفي، لأنني لم أكن أرغب في أن أتورط في مشكلة تخص أي شخص آخر. هذا ما كان يدفعني للاستمرار في طهو السباغيتي بنفسي ولنفسي في الوعاء الكبير الذي يكفي لراعي ألماني.


السباغيتي التي كانت في الأصل ذرات من السميد، والذي كان بدوره أعواد تمتلئ بسنابل القمح الذهبية، تتمايل مع نسيم الريح في الحقول الإيطالية الرائعة.


هل يمكنك أن تتخيل كيف ستكون دهشة الإيطاليين إن علِموا أن ما صدروه عام 1971 في حقيقة الأمر لم يكن سوى العزلة الخالصة؟

السبت، 23 أغسطس 2014

الصفصافةُ العمياء ، المرأة النائمة .(ترجمة )

الصفصافةُ العمياء ، المرأة النائمة .


هاروكي موراكامي


يونس بن عمارة


الصفصافة العمياء

 

 


 عندما اغلقت عيناي ، نفحة من الريح هبت تجاهي . رياح شهر ماي ، هذه الرياح التي تنضج الفواكه  ذات الغطاء الخارجي الرقيق ، والمحتوى اللزج والعديد من البذور ، بعض الفواكه الناضجة كانت متفتحة وهبّة الريح القت بذورها على ذراعي العاري مخلفة الما طفيفا ...


" كم الساعة الان ؟ " سألني ابن عمي الذي كان جالسا بجواري ..كان من نوع الاناس الذين ينظرون لك عندما يحدثونك ..


القيت نظرة على ساعتي وقلت "  العاشرة وعشرون دقيقة"


"هل ساعتك تعمل بشكل جيد ؟ "


" اجل .اعتقد ذلك "


امسك ابن عمي بمعصمي ونظر للساعة ، أصابعه النحيلة والمتناسقة كانت قوية بشكل يثير الدهشة  .


" هل كلفتك الكثير ؟"


"لا ، انها رخيصة جدا " قلت ونظرت مرة اخرى للساعة .


لا اجابة منه .


بدا ابن عمي متوترا ، واسنانه بين شفتيه بدت كأنها عظام ضامرة.


"انها رخيصة جدا " قلت ناظرا لليمين نحوه ، ورددت بتأن الكلمات " انها رخيصة جدا ، لكنها تعمل جيدا "


اومأ ابن عمي بصمت .


ابن عمي لا يسمع جيدا بأذنه اليمنى، فبعد ذهابه للمدرسة الابتدائية بقليل ضُرب بكرة بيسبول وخسر سمعه ،وعلى الرغم من ان هذا لا يسمح له بالقيام بالنشاطات اليومية بصورة طبيعية الا انه استمر في المدرسة العادية كأي طفل طبيعي اخر ، في صفه ، يجلس دائما اول الصف على اليمين وهكذا يتمكن من القاء سمعه الايسر على المعلم ، ودرجاته ليس سيئة جدا ، الامر هو انه احيانا يمكنه سماع الاصوات بشكل جيدا جدا واحيانا لا يستطيع ، بشكل دوري .,مثل المد والجزر ،احيانا ربما مرتان في العام ، لا يمكنه بالكاد سماع اي شيء من كلتا اذنيه ..يبدو ذلك وكان الصمت في اذنه اليمنى تعمق حتى شمل الاذن اليسرى ساحقا اي صوت فيها يمكن سماعه .


ولما يحدث هذا حياته العادية تنقلب ، لذا يخرج بعض الوقت من المدرسة ، الأطباء متحيرون لانهم لم يشهدوا حالة مماثلة لذا لا يوجد اي شيء لفعله .


" ساعة اليد الغالية لا يعني انها دقيقة " قال بن عمي كما لو انه يحاول اقناع نفسه .


" كنت ارتدي ساعة غالية جدا ، لكنها كانت لا تعمل دوما ، حصلت عليها في المدرسة المتوسطة ، لكني اضعتها العام السابق ، ومن ذلك الوقت وانا اخرج دون ساعة ،هم لا يريدون شراء واحدة اخرى لي  "


"لا بد انه من الصعب ان تخرج دونها ؟ "


"ماذا ؟ " سألني .


" الم يكن من الصعب ذلك ؟ " كررت ونظرت يمينا نحوه .


"لا ، ليس كذلك "  كرر هازا رأسه " ان الامر ليس كما لو انك تعيش وحدك في الجبال او شيء من هذا القبيل ، لو اردت ان اعرف الوقت فقط اسأل احدهم "


" صحيح" قلت .


وصمتنا مجددا لفترة .


اعلم انه كان ينبغي التحدث اكثر له ، ان اكون لطيفا معه واجعله يحس بالراحة حتى يصل للمستشفى ، لكن كانت قد مرت خمس سنوات منذ رايته لآخر مرة ، خلال هذه المدة كبر هو من التاسعة للرابعة عشر وانا من العشرين للخامسة والعشرين ، وهذه الفترة من الزمن خلقت حاجزا لا مرئيا بيننا كان من الصعب اجتيازه .حتى لو اردت ان اقول شيئا ، الكلمات التي ينبغي قولها تفر مني ..وكل مرة اتردد فيها... كل مرة ابتلع فيها كلاما كنت اود قوله للتو ..بن عمي ينظر لي بتوتر يبدو على وجهه، واذنه اليسرى موجهة نحوي ..


" كم الساعة الان ؟ "سألني


" العاشرة وتسع وعشرون دقيقة "  رددت .


كانت العاشرة واثنان وثلاثون دقيقة لما ظهرت الحافلة .


الحافلة التي اتت كانت من نوع جديد ليست من ذلك النوع الذي اعتدت ركوبه لما كنت في الاعدادية .الزجاج امام السائق كان اكبر ، والمركبة ككل كانت تشبه طائرة حاملة للصواريخ تنقصها الاجنحة ، وكانت مزدحمة اكثر مما توقعت ، لا احد كان واقفا لكن في نفس الوقت لا يمكن ان نجلس معا ..لم نذهب بعيدا في الحافلة فقط جلسنا بجانب الباب الخلفي للحافلة  ، ما كان يحيرني هو لماذا الحافلة كانت مزدحمة في هذا الوقت من النهار ..


انطلقت الحافلة من محطة سكك حديدية خاصة ثم الى منطقة سكنية في التلال ، ثم قفلت راجعة للمحطة ، لم يكن هناك اي موقع سياحي على طول الطريق ، كانت هناك بضع مدارس على طول الطريق لكن هذه تجعل الحافلات مزدحمة وقت الخروج من المدارس اما في هذا الوقت من النهار كان من المفترض ان تكون فارغة .


انا وابن عمي امسكنا مقابض التمسك و الاعمدة ، الحافلة كانت جديدة تماما ، الاسطح المعدنية كانت لامعة جدا ويمكنك رؤية انعكاس وجهك عليها ، الحافلة الجديدة وبالركاب الكثر الذين ملأوها بشكل لم اتوقعه ، ازعجني... ربما مسار الحافلة قد تغير منذ اخر مرة صعدت فيها ، نظرت حولي في الحافلة بحذر ثم نظرت خارجها لكنه كان نفس المنظر القديم لمنطقة سكنية هادئة اتذكرها جيدا.


" هذه هي الحافلة الصحيحة ، صح ؟ "


سألني بن عمي بقلق ..لربما لاحظ امارت الحيرة على وجهي لما صعدنا .


" لا تقلق " قلت محاولا طمأنة نفسي بقدر ما اطمئنه " هناك حافلة واحدة فقط تمر من هنا ..لذا لا بد ان تكون هي "


" هل اعتدت ان تأخذ هذه الحافلة لما كنت ترتاد الثانوية " سألني بن عمي


" نعم ، هذا صحيح "


" هل احببت المدرسة ؟ "


"ليس تماما .." قلت " لكنني استطيع رؤية أصدقائي هناك وايضا لم تكن بعيدة "


بن عمي فكر في ما قلته له .


"هل ما زلت تراهم ؟"


" لا .. لقد مر وقت طويل على ذلك "


قلت ذلك مختارة كلماتي بعناية


"لأننا نعيش بعيدا جدا عن بعض " هذا لم يكن السبب الحقيقي لكني لم استطع ان افكر في اي سبب اخر يشرح ذلك .


على يميني كان يجلس مجموعة من المسنين ، حوالي الخمسة عشر فردا وكانوا هم سبب زحام الحافلة  لاحظت فجاة انهم كلهم كانت الشمس قد لوحت بشرتهم حتى ان المكان خلف اعناقهم كان اسمر ،وكل واحد فيهم كان هزيل الجسم ، معظم الرجال كانوا يرتدون تي-شرت ثخينا كالذي يلبس لتسلق الجبال النساء ببساطة كن يرتدين بلوزات عادية ،  وكلهم كانوا يحملون حقائب ظهر صغيرة وضعوها في حجرهم ، تلك الحقائب التي تأخذها معك في نزهة على التلال ، كان منظرهم جميلا وكيف كانوا يبدون ، مثل درج ممتلئ بعينات لأشياء مختلفة ، كانوا مصطّفين بدقة ،الشيء الغريب هو انم لم يكن هناك أي طريق لتسلق الجبال في خط سير هذه الحافلة .اذن الى اين هم ذاهبون هكذا ؟؟ فكرت في هذا وانا واقفة اتشبث في حزام التشبث في الحافلة دون ان احظى بتفسير معقول .


"أتساءل  ان كان سيؤلم هذه المرة ...العلاج ؟" سألني قريبي .


"لا ادري " قلت "لم اسمع عن اي تفاصيل حول الامر "


"هل ذهبت مرة لدكتور مختص بالأذن ؟"


هززت راسي نافيا . لم اذهب قط الى دكتور مختص بالأذن في حياتي .


" هل آلمك العلاج من قبل ؟" سألت


" ليس تماما "


قال قريبي بغموض " هناك الم بالطبع ، احيانا يؤلم قليلا .... لكن ليس بشكل رهيب "


" ربما هذه المرة ايضا سيكون كذلك ، امك قالت انهم لن يفعلوا اي شيء خلاف العادة "


" لكن ان كانوا يفعلون كالعادة دائما كيف سيحسن ذلك علاجي ؟"


" حسنا ، لا تدري ..احيانا تحدث اشياء لا نتوقعها "


" هل تقصدين مثل سحب سدادة الفلين ؟" قال قريبي ،تفرست في وجهه لكن لم يبدي اي اثر للسخرية


" ستتعالج عند طبيب اخر . واحيانا مجرد اختلاف بسيط في الاجراءات يصنع كل الفرق لا اريدك ان تستسلم للفشل بسهولة "


" لن استسلم للفشل "قال قريبي


" لكن اظن انه تسلل اليك البعض منه ؟"


" اعتقد " قال واومأ "الخوف هو اسوأ شيء ،الالم الذي اتخيله اسوأ من الالم الحقيقي ، هل تفهمين ما اقصده ؟"


"نعم ..افهمك "


العديد من الاشياء حصلت هذا الربيع ، حدث مشكل في العمل لذا غادرت العمل في شركة اعلانية صغيرة بطوكيو اين كنت اعمل لعامين ..وخلال نفس الوقت انفصلت عن  صديقتي التي كنت اواعدها منذ المدرسة الثانوية ..شهر بعد ذلك جدتي توفيت بسرطان الامعاء ..و لاول مرة منذ خمس سنوات عدت الى هذه المدينة بحقيبة صغيرة في يدي ..غرفتي القديمة كانت تماما كما تركتها ..الكتب التي قرأتها مازالت في الرف ..سريري مزال هناك .. مكتبي ..وكل الاشرطة التي كنت استمع اليها .لكن كل شيء في الغرفة كان قد جف وحال لونه وفقد رائحته ..الزمن فقط ما بقي ولا يزال .


كنت قد خططت للعودة لطوكيو بعد عدة ايام من جنازة جدتي لأجل البحث عن عمل جديد ، وكنت افكر في الانتقال الى شقة اخرى ، ايضا كنت احتاج الى تغيير الجو ..في الايام الماضية ..افكر.. يبدو انه كان هناك الكثير من المشاكل ترهق كاهلي ..كي نكون واضحين حتى لو اردت ان اتركها وراء ظهري وامضي لم استطع ذلك ..لقد امضيت وقتي منعزلا في غرفتي القديمة استمع الى هذه الشرائط اعاود قراءة الكتب القديمة ..احيانا اخرج لإزالة الاعشاب الضارة في الحديقة وتشذيبها ..لم اقابل احدا ..والبشر الوحيدون الذين كنت اتحدث اليهم كانوا افراد عائلتي .


.و أحد الايام عمتي قدمت لغرفتي وسألتني ان كان بامكاني مرافقة بن عمي الى مستشفى جديد ...كان عليها ان تأخذه بنفسها ..لكن احيانا يكون الموعد في يوم لا يمكنها ان ترافقه ..المستشفى كان بالقرب من ثانويتي القديمة لذا فقد كنت اعرف مكانه ..و لأنني لا املك اي شيء لأفعله ..لم اكن استطيع الرفض ..اعطتني عمتي ظرفا فيه بعض النقود لأجل غدائنا انا وابن عمي .


ذهابنا للمستشفى الجديد كان لان العلاج في القديم لم يجدِ شيئا . الحقيقة انه زاد الطين بلة ..وعندما اشتكت عمتي ذلك للطبيب قال ان المشكل يتعلق بمحيط الطفل اكثر منه تعلقا بالامور الطبية ..والاثنان وافقا على ذلك...لا يتوقع المرء ان تغيير المستشفى يمكن ان يحسن من وضع اذنه .لم يقل احد ذلك ..كانا قد فقدا الامل ان يتحسن سمعه اكثر من اي وقت مضى .


قريبي يعيش بالجوار ..لكنني اكبر منه بعقد كامل ..ولسنا كما يقال مقربين ..لما يذهب اقاربنا معا ..اقوم باصطحابه الى مكان ما او العب معه ، لكن هذا ما كان بيننا ..رغم ذلك ومن مدة بدا الجميع يرى انني وبن عمي ثنائي  ...يفكرون انه متعلق بي وانني افضله على غيره ..لزمن طويل لم افهم لم يعتقدون هذا .الان وانا ارى الطريقة التي يُميل بها راسه و يقرب اذنه اليسرى لي ..هذا اثر فيَّ جدا .مثل صوت مطر سمعته من مدة طويلة .هذا الامر ضرب على وتر حساس مني هكذا بدأت افهم لما عائلتنا تريدنا ان نكون معا .


كانت الحافلة قد مرت بسبع او ثماني محطات عندما نظر الي بن عمي بنفاد صبر : " هل مازالت بعيدة جدا ؟"


" نعم ، مزال القليل .. انه مستشفى كبير .. لذا لن نفوّته "


فجأة دخلت هبة ريحٍ من النافذة المفتوحة وبلطف حركت حواف قبعات الرجال المسنين واوشحتهم التي حول العنق ..من هؤلاء الناس ؟؟ والى اين يتوجهون ؟


" هل تنوي العمل في شركة ابي ؟ "سال ابن عمي .


التفت اليه متفاجأً... ابوه؟، عمي يدير شركة كبيرة للطباعة في كوبي .لم افكر في ذلك مطلقا ..ولم يلمح لي اي احد من قبل بذلك .


"لم يقل احد شيئا عن ذلك " قلت " لم تسأل ؟ "


خجل ابن عمي ورد " لقد فكرت انه ربما تريد ذلك " اضاف " لكن لم لا ؟لن تضطر للمغادرة . والجميع سيكون سعيدا " .


.رن الصوت المسجل يعلن المحطة القادمة لكن لا احد رن جرس التوقف ولا احد ايضا كان واقفا في المحطة ينتظر الحافلة .


" لكن هناك بعض الاعمال علي القيام بها ، لذا علي العودة لطوكيو " قلت بينما أومأ ابن عمي بصمت


لم يكن هناك اي عمل اقوم به في طوكيو ، لكني ايضا لا احبذ البقاء هنا .


عدد المنازل بدا يتضاءل لما ارتقت الحافلة في المنحدر الجبلي، فروع الاشجار الثخينة كانت تلقي بضلالها على الطريق مررنا ببعض المنازل التي تبدو اجنبية التصميم مصبوغة ومحاطة بجدران صغيرة في مقدمتها ...


النسيم المنعش والبارد يبدو طيبا ..كل مرة كانت الحافلة تجتاز منعطفا كان البحر يبدو في المشهد ، ثم اختفى ، ثم وصلت الحافلة للمستشفى نزلنا انا وابن عمي فقط واستدرنا نرى المناظر التي حولنا .


"الفحص سيستغرق بعض الوقت ، ويمكنني ان اعتني بنفسي " قال بن عمي " لذا لما لا تذهب وتنتظرني في مكان ما ؟"  بعد ان حيينا الطبيب خرجت من غرفة الفحص وذهبت للكافيتريا لم اكن بالكاد قد فطرت وكنت اتضور جوعا ..لكن لم يكن هناك شيء في القائمة يثير شهيتي ..لذا فقد رضيت اخيرا بكوب قهوة .


كنا في صباح احد ايام الاسبوع كنت انا في الكافتيريا وعائلة صغيرة قد اخذنا أماكننا ..كنت اراقبهم الاب كان في منتصف الاربعينيات يلبس بيجاما زرقاء داكنة و مخططة ، الام و توأمان من الفتيات صغيرتان قدمتا لتشتريا تذكرة .التوأمان كانتا ترتديان نفس الفستان الابيض وكانتا منحنيتان على الطاولة ، كانت نظراتهما تعبر عن الجدية ، والجميع :الابوان والطفلتين كانوا يبدوا انهم يشعرون بالملل .


خارج النافذة كان هناك عشب ، و الة رش تدور باستمرار ترش العشب برذاذ فضي ، زوج من الطيور طويلة الذيل عبرت بسرعة فوق الة الرش واختفت ..خلف العشب كان هناك عدة اماكن للعب التنس هُجرت والشباك تلاشت ، وراء ملاعب التنس كان هناك صف من شجر الدردار ومن خلال اغصانها يمكنك ان تلمح البحر ، شمس الصيف ظهرت من خلال الغيوم وانعكست اشعتها على الموجات الصغيرة ، نسيمٌ عليل كان يداعب اوراق شجر الدردار .


اشعر وكاني شاهدت هذا من قبل ..عدة اعوام من قبل ..هذه الساحة الواسعة من العشب ،  الفتاتان التوامان تعبّان عصير البرتقال ، الطيران طويلي الذيل اللذان يطيران الى اين يعلم الله ..ساحات التنس التي فقدت شباكها ، البحر من خلفها ... لكنه كان توهما فحسب ، لقد كان مشهدا واقعيا بما فيه الكفاية ..احساس كثيف بانه واقعي ..لكنه كان رغم ذلك وهما ليس الا لأنني لم اتي الى هذا المستشفى ابدا من قبل ..


مددت ساقي خارج مقعدي ..اخذت نفسا عميقا ..اغلقت عيناي ..في الظلام كنت استطيع رؤية كتلة صغيرة بيضاء ، وبهدوء يزداد حجمها وتمتد ثم تتعقد كأنها ميكروب تحت المجهر ..تغير شكلها ..تمتد تتبعثر تعاود تشكيل نفسها .


كانت قد مرت ثمان سنوات لما ذهبت الى المستشفى الاخر ..مستشفى صغير بجوار البحر ..كان كل ما يمكنك رؤيته من خلال النافذة هو بعض اشجار الدفلى ، كان مجرد مستشفى ... وكانت رائحته كتلك الرائحة التي تشمها عند المطر ،صديقةُ صديقي كانت قد اجرت عملية على قفصها الصدري هناك ..وكلانا ذهب للاطمئنان عليها ..ذلك الصيف من سنتنا في الثانوية .


لم تكن عملية بمعنى الكلمة ...الحقيقة انه قاموا بتصحيح وضعية احد ضلوعها الذي كان منحنيا الى الداخل قليلا ..لم تكن حالة طارئة ..كان فقط ذلك  النوع الاشياء التي يتوجب على المرء فعلها ..لذا فانها ارادت ان تقوم بها وحسب ..العملية نفسها كان سريعة لكنهم ارادوا ان تستريح قليلا يتابعوا حالتها  لذا بقيت في المستشفى لعشرة ايام ..صديقي وانا ذهبنا الى هناك معا فوق دراجة نارية من نوع 125cc Yamaha قاد صديقي لما كنا ذاهبين لكن طريق العودة قدت انا ..كان قد طلب مني ان ارافقه " يستحيل ان اذهب لوحدي هناك .." قال لي.


صديقي توقف عند محل حلويات بالقرب من المحطة واشترى علبة شكولاتة كنت اشد على حزامه بيد واحكم قبضتي على العلبة باليد الاخرى ..كان يوما حارا وقمصاننا كانت مبتلة ..ثم جففها نسائم الريح ولما كان صديقي يقود غنى اغنية ما بصوت فظيع ، لا ازال اتذكر رائحة عرقه ..ثم لم يمض الكثير من الوقت على هذا ثم توفي .


صديقته كانت ترتدي بيجاما زرقاء وثوب رقيق يصل حتى ركبتها ، جلسنا سويا على طاولة في كافيتريا .ندخن السجائر ونشرب الكوكا وناكل الايس كريم ، هي كانت تتضوع جوعا واكلت كعكتين من الدونات المحلّى وشربت شراب الكاكاو مع طن من الكريم داخله هذا ولم يبدو كافيا لها .


" بهذا الشكل لما تخرجين من هنا ستكونين بحجم المنطاد !"  قال صديقي بشكل جاف نوعا ما .


"انا بخير انني اتعافى .."ردت هي .ماسحة رؤوس اصابعها التي تلطخت بالزيت من كعك الدونات .


ولما كنا نتحدث لمحت النافذة حيث يوجد خارجا اشجار الدفلى ....كانت اشجارا كبيرة ربما كانت لتشكل غابة حتى ..استطيع ان اسمع صوت الامواج ايضا ..السلالم بقرب النافذة كانت صدئة تماما بفعل النسيم البارد والندي الذي يهب دائما من خلالها ..


مروحة السقف القديمة كانت تعيد بث الحرارة ..وجو رطب كان يغلف الغرفة .الكافيتريا نفسها كانت برائحة المستشفى .حتى الطعام والمشروبات كانت بنفس الرائحة ..بيجاما الصديقة كانت تحوي جيبان في الاعلى ..في احداهما قلم ذهبي اللون صغير . وكلما انحنت قليلا الى الامام كنت ارى صدرها الابيض من خلال الياقة .


ذكرياتي توقفت هنا ..حاولت ان اتذكر ما الذي  حدث بعدها ..شربت الكولا ..حدقت في اشجار الدفلى ..اختلست نظرة لصدرها ..ثم ماذا ؟؟ حركت كرسيّ قليلا حاولت الحفر اعمق في طيات الذاكرة مثلما انتزع سدادة فلين بسكين بيضاء حادة .


حدقت في اتجاه واحد وحاولت ان اتخيل الاطباء يشقون لحم صدرها ..يولجون ايديهم بقفازاتها البلاستيكية ويصلحون ضلعها الاعوج ..لكن هذا كله بدا لي جد سوريالي ..كنوع من الرمزية ..


هذا صحيح !  بعد هذا تكلمنا حول الجنس ..على الاقل صديقي من تحدث ..لكن ما الذي قاله ؟ شيء ما عني بلا شك ..كيف اني حاولت دون ان انجح بفعلها مع فتاة ..لم تكن قصة كبيرة ..لكن الطريقة التي روى بها ذلك ..طريقة امدت الاشياء حياةً اخرى ..جعل صديقته تنفجر ضحكا ..حتى انا ايضا ضحكت ..هذا الرجل يعرف –فعلا- كيف يروي قصة..


" من فضلك لا تدعني اضحك " قالت متألمة قليلا .. " صدري يؤلمني لما اضحك " ..


" اين يؤلم ؟" قال صديقي .


وضعت يديها  على البيجاما فوق قلبها ..بالضبط فوق نهدها الايسر ..كانت تعابث صديقها ..ومن ثم فقد ضحكت مجددا ..


نظرت لساعتي .كانت الحادية عشر وخمس واربعون لكن بن عمي لم يعد بعد ..كان الوقت يقترب من وقت الغداء و بدا الناس يرتادون الكافيتريا ..كل انواع الاصوات والكلام اختلطت معا كدخان يغلف الغرفة .


عدت مرة اخرى الى مملكة ذكرياتي ..والى ذلك القلم الذهبي الصغير الذي كان في جيب البيجاما العلوي .


...الان انا اتذكر .. استعملت هي القلم لكتابة شيء على المنديل الورقي .


كانت ترسم صورة ، المنديل الورقي كان ناعما جدا ..وراس القلم كان يعلق احيانا ..برغم ذلك رسمت تلة وبيتا صغيرا فوق التلة ..و امرأة كانت تنام في المنزل ..البيت كان محاطا بشجر الصفصاف اعمى وكان هذا الصفصاف هو الذي جعل المرأة تنام .


" ما هذا .شجر صفصاف اعمى ؟"


" هناك نوع من الاشجار مثل هذا "


"لم اسمع به من قبل "


"هذا لأنني انا من خلقه " قالت وهي تبتسم .." الصفصاف الاعمى يحمل الكثير من حبوب الطلع ، و ذباب صغير  مغطى بهذه الحبوب تزحف داخل اذنها وتجعل المرأة تنام "


اخذت منديلا ورقيا اخر ورسمت صورة لصفصاف عمياء .كانت بحجم شجرة الازاليا الان ..الشجرة كانت مزهرة والازهار كانت محاطة بأوراق خضراء غامقة مثل مجموعة من ذيول السحالي تجمعت على غصن ..الصفصافة العمياء لم تبدو ابدا كصفصافة على الاطلاق .


" هل اخذت سيجارتك " ؟سألني صديقي ..مررت له علبة السجائر والثقاب .


" الصفصافة العمياء تبدوا صغيرة من الخارج لكنها تمتلك جذورا عميقة جدا "


شرحت الفتاة .


" الحقيقة انه بعد مرحلة ما .. تتوقف عن النمو ثم تغرس جذورها اكثر واكثر في التربة ..كأنها تتغذي من الظلمة "


" ثم يحمل الذباب حبوب اللقاح ويضعها في اذنها ..عميقا ..جاعلا اياها تنام " ..اضاف صديقي جاهدا في محاولته لإشعال سيجارة بالثقاب المعطوب .." لكن ما الذي سيحدث للذباب ؟"


" يبقى داخل المرأة ..يتغذى على لحمها ..بالطبع " قالت صديقته


"يلتهمونها تماما " قال صديقي .





اتذكر الان كيف انه في ذلك الصيف كتبت قصيدة طويلة حول الصفصافة العمياء و شرحت ذلك لكلينا ..كان هذا هو العمل المنزلي الوحيد الذي قامت به ذلك الصيف ..القصيدة مبنية على حلم راته ذات ليلة ..ولأنها كانت ممددة في السرير لأسبوع ..كتبت هذه القصيدة الطويلة ..صديقي قال انه يود قرائتها ..لكنها كانت ماتزال تعيد مراجعتها ..لهذا لم تسمح له بذلك ..و بدل هذا رسمت هذه الرسومات كي تلخص لنا الفكرة ككل .


شاب يصعد للتلة كي ينقذ المرأة التي جعلتها حبوب الصفصاف العمياء تخلد للنوم ..


" هذا بالتأكيد انا " قال صديقي ..


ضربت راسه " لا ..انه ليس انت "


" حقا ؟"


" اجل "  قالت ونظرة جادة على محياها " لا اعلم كيف اعرف هذا ..لكني اعرفه ..انت لست غاضبا صح ؟"


" بلى انا كذلك " قال صديقي عابسا ونصف ساخر .


الشاب شق طريقه من خلال اشجار الصفصاف العمياء التي كانت كثيفة ..مما اخر الشاب وجعله يبطء في صعود التلة ..كان اول من يأتي للتلة بعد ان احتلتها شجر الصفصاف ..سحب قبعته لأسفل مغطيا عينيه هاشا بيده الاخرى اسراب الذباب التي تحوم حوله ..الرجل الشاب استمر بارتقاء التلة ..ليرى المرأة النائمة ، ليوقظها من نومها الطويل والعميق.


" لكن في الوقت الذي يكون فيه قد وصل لأعلى التلة ..جسد المرأة سيكون قد تم التهامه بالفعل ..صح ؟" قال صديقي


"بشكل ما ..نعم " ردت الفتاة .


" لما يكون الذباب قد التهم المرأة تماما ذلك يجعل القصة حزينة .. صح ؟"


قال صديقي .. " نعم ، اعتقد ذلك " قالت بعد ان فكرت قليلا .." ما هو رأيك ؟" سألتني


" تبدو فعلا قصة حزينة بالنسبة لي ايضا "رددتُ.


كانت الثانية عشر وعشرون دقيقة لما عاد بن عمي ....كان يحمل كيسا صغيرا للأدوية ونظرة شرود على وجهه ..بعد ان اجتاز مدخل الكافتيريا استغرق بعض الوقت كي يجد مكاني وينضم الي ..كان يسير بارتباك ..كانه لا يستطيع ان يحافظ على توازنه جلس مقابلا لي ..وكانه كان مشغولا جدا كي يتذكر ان يتنفس ...اخذ نفساً عميقا ..


" كيف مر الامر ؟" سألت


" اممممم" ..غمغم.. انتظرت كي يقول اكثر ..لكن لم يقل شيئا ..


"هل انت جائع ؟" سألت مجددا


اومأ برأسه بصمت .


" تود ان تأكل هنا ..او تود ان نأخذ حافلة للمدينة وناكل هناك " ؟


القى نظرة متشككة حول الغرفة " لا بأس بالمكان هنا "


اشتريت تذكرتي غداء وطلبت غداء لكلينا ......ولما كان الطعام بطريقه الينا القى ابن عمي نظرة على النافذة ..على نفس المنظر الذي كنت انظر اليه ..البحر ..صف شجر الدردار والمرشة .


على الطاولة التي كانت بجانبنا ..كان هناك زوجان في منتصف العمر يرتديان لباسا جيدا ..كانا يأكلان السندويتش ويتحدثان عن صديق لهما اصيب بسرطان الرئة ..كان قد ترك التدخين منذ خمس سنوات من قبل لكن الوقت كان متأخرا على ذلك ..كيف كان يبصق دما عندما يستيقظ صباحا ..الزوجة كانت تطرح الاسئلة والزوج كان يجيب ..بمعنى ما ، شرح الزوج :يمكن ان تري حياة الشخص بأكملها من خلال نوع السرطان الذي حصل عليه .


كان غدائنا يتكون من شرائح لحم وسمك مقلي ..سلطة و خبز ..جلسنا هناك ..مقابلين بعضنا البعض ..ناكل بصمت ..وطول الوقت الذي كنا ناكل فيه كان الزوجان الجالسان بالقرب منا يثرثرون ويثرثرون حول كيف يبدأ السرطان ..وكيف ان نسبة السرطان ترتفع ..وكيف انه لا يوجد علاج له .


" اينما تذهب ، نفس الشيء " قال بن عمي بنبرة سطحية وهو يحدق في يديه ." نفس الاسئلة القديمة ، نفس الاجراءات " .


كنا نجلس على مقاعد الانتظار امام المستشفى ..ننتظر الحافلة ..وكل هنيهة كان النسيم يطير بعض الاوراق الخضراء حولنا .


" احيانا انت لا تسمع شيئا على الاطلاق ؟" سالته .


" نعم هذا صحيح " .اجاب بن عمي . " لا اسمع البتة " .


" كيف تشعر لما يحدث هذا ؟"


اومأ برأسه لجهة واحدة وفكر بالأمر .. " فجأة لا يمكنك سماع شيء ..لكن هذا سيأخذ منك فترة كي تعرف ما الذي حصل ..ثم لا يمكنك سماع شيء ..انه يشبه ان تكون في عمق البحر مرتديا سدادات اذن ..هذا يستمر لمدة ..طول الوقت لا يمكن ان تسمع اي شيء ..لكن ليس اذناك فقط ..ان لا يمكنك السماع هو فقط جزء من ذلك ."


"هل يزعجك حدوثه ؟"


هز راسه نافيا الامر ..هزة قصيرة وجازمة .." لا اعلم لما .. لكنه لا يزعجني بذلك القدر ..طبعا هو غير مريح الا تستطيع سماع شيء ..انا احاول احتواء الامر ..لكني لا استطيع ذلك ..هل قمت بمشاهدة فلم جون فرود . Fort Apache ؟


سألني بن عمي .." منذ مدة طويلة جدا " قلت .


"لقد عرضوه في التلفاز مؤخرا .انه فلم جيد فعلا " .


"اممم " ..اكدت له .


" في بداية الفلم هناك الكولونيل الجديد التي اتى للقلعة من الغرب ..الكابتن المخضرم استقبله عند قدومه ..لعب دور الكابتن جون واين ..الكولونيل لا يعرف الكثير حول الامور كما كان في الغرب ..وكان هناك تمرد هندي حول تلك القلعة ".


ابن عمي اخرج منديلا ابيضا مطويا بعناية من جيبه ومسح فمه .


" لما يأتي للقلعة يقول الكولونيل لجون واين : لقد رأيت عدة هنود بالقرب من هنا " وجون واين بتلك السحنة الجميلة على وجهه يرد " لا تقلق ..اذا كان بإمكانك ان تقضي على بعض الهنود ..هذا يعني انه لا يوجد اي منهم هناك " ..انا لا اتذكر الخطوط العامة للفلم ، لكنه شيء كهذا ..هل فهمت ما الذي كان يقصده ؟"


لم استطع تذكر هذه الجزئية من الفلم ..لقد بدت لي جزئية غامضة من فلم لجون فورد .. كان قد مرت فترة طويلة منذ شاهدت الفلم .


"اعتقد انه يعني ان اي شيء يمكن ان يراه اي احد ليس بالأمر المهم جدا ...اعتقد "


رد بن عمي " ولا انا فهمتها تماما ايضا .. لكن كل مرة يتعاطف فيها احد معي لأجل اذني ..هذه الجزئية اتذكرها .." ان كان في مقدرتك القضاء على بعض الهنود ، ذلك يعني انه لا يوجد منهم اي هندي هناك " ..


ضحكت.


" هذا غريب صح ؟" سال بن عمي .


"نعم " قلت وانا اضحك ثم ضحك هو ايضا .. لقد مرت مدة طويلة منذ رايته يضحك ..


بعد هنيهة قال بن عمي ..كما ولو انه يتخلص من حمل ثقيل " هل بإمكانك ان تلقي نظرة على اذني من اجلي ؟"


" انظر داخل اذنك ؟" قلت مندهشا بشكل ما .


" فقط ما يمكنك رؤيته من الخارج"


"حسنا لكن لما تريدني ان افعل هذا " ؟


"لا ادري " خجل ابن عمي قليلا " اودك فقط ان ترى كيف يبدوان "


"حسنا " قلت .."سألقي نظرة "


قريبي جلس مقابل لي مائلا بأذنه اليمنى نحوي ..كان يملك اذنا حسنة التكوين فعلا . كان حجمها لطيفا وصغيرا الان ان شحمة الاذن كانت منتفخة  ككعكة مادلين طازجة ، لم انظر من قبل بهذا التمعن في اذن احد ما ..لكن عندما تبدا بالنظر اليها عن قرب ، الاذن البشرية –بنيتها – شيء رائع وساحر فعلا ..مع كل هذه الالتواءات العشوائية التي تكونها .الانخفاضات والارتفاعات .ربما التطور صنع هذا النظام كي يتيح نظاما مثاليا لجمع الاصوات، او لحماية البنية الداخلية ..محاطا بهذا الجدار اللامنتاظر يبدو ثقب الاذن كمدخل كهف سري مظلم .


تخيلت ان صديقة صديقي ، ذباب صغير جدا يتوغل في اذنها . وسيقان الذباب الصغيرة دبقة بحبوب الطلع ، يتوغلون في داخلها المظلم و الدافئ ، ممتصين كل العصير ، واضعين بيضهم الصغير داخل دماغها ، لكنك لا تستطيع رؤيته او حتى سماع صفقان اجنحتها .


"هذا يكفي " قال قريبي .


ابتعد قليلا واستدار في كرسيه كي اتمكن من رؤية الاذن الاخرى ." اذن ..هل ترى اي شيء جديد ؟ "


" لا شيء مختلف حسب ما يبدو لي ..هناك في الخارج على الاقل "


" اي شيء يمكنك رؤيته او حتى ما الذي تحس به "


" اذنك تبدو لي عادية "


بدا قريبي خائب الامل ..ربما قد تلفظت بشيء خاطئ.


'هل آلمك العلاج ؟" سالته .


" لا .لم يؤلمني ..انه العلاج المعتاد دوما ..دوما يحومون حول نفس النقطة ..احس احيانا انهم سينزعونها من مكانها ..لذلك احيانا اشعر انها ليست اذني "


"انها الرقم ثمان وعشرون " قال بن عمي بعد برهة ..ملتفتا الي " انها حافلتنا ..صح ؟"


كنت شاردا ..و رأيت الحافلة لما اخبرني عنها تتباطأ لتستدير وتخرج من المنحدر ..انها ليس من نوعية الحافلات الجديدة التي ركبناها بل القديمة التي اتذكرها ، رقم 28 كان في اعلى واجهة الحافلة .حاولت ان انهض من الكرسي لكني لم استطع ..كما لو كنت عالقا في تيار قوي ..اطرافي لم تستجب .


كنت افكر في علبة الشوكولا التي اخذناها معنا لما كنا ذاهبين الى المستشفى تلك الظهيرة الصيفية منذ فترة طويلة. الفتاة فتحت بسعادة غطاء العلبة لتجد ان عشرات قطع الشوكولا الصغيرة قد ذابت تماما .كانت قد التصقت بالحواف وبغطاء العلبة نفسه .في طريقنا للمستشفى كنا قد ركنا الموتوسيكل على الجانب الذي يطل على البحر .تسكعنا حول الشاطئ ونحن نتحدث .كل الوقت الذي تركنا فيه علبة الشوكولا تحت شمس اوت الحارقة ، لامبالاتنا وعدم اهتمامنا  قضوا على هذه القطع من الشوكولا. صانعة قطعة فوضوية واحدة من الشوكولا ..كان يجب ان نعرف ما الذي حصل .احد منا -ليس من المهم من منا- كان عليه ان يقول شيئا ما ..لكن في تلك الظهيرة  لم نشعر باي شيء .


فقط تبادلنا نكات سخيفة وودعنا بعضنا ..ثم غادرنا هذا التل الممتلئ بشجر الصفصاف الاعمى .


قريبي تشبث بذراعي الايمن بقوة .


" هل كل شيء على ما يرام ؟ " سألني .


كلماته عادت بي للواقع ..فنهضت من على الكرسي ..هذه المرة لم اجد مشكلة في النهوض ..مرة اخرى كنت احس بلمسة نسيم ماي على بشرتي ..لبضع ثوانِ كنت اقف في مكان مظلم وغريب ارى اشياء لا توجد اطلاقا .. وافعال لم تحدث مطلقا ..اخيرا فكرت .. الحافلة رقم 28 توقفت امامي ..الباب الحقيقي للحافلة انفتح امامي ..ارتقيت الحافلة ..ذهبت لمقعد اخر ..ربتت يدي على كتف بن عمي ..


"انا بخير " قلتُ له .



 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من اليابانية للانجليزية : فيليب غابرييل


من الانجليزية للعربية : يونس بن عمارة



 لتحميل القصة بشكل pdf


 

http://ge.tt/2pRoH4s1/v/0?c




تُرجمت هذه القصة في اطار مشروع دار الزنبقة للنشر الالكتروني الحر والترجمة لترجمة المجموعة القصصية (الصفصافة العمياء المراة النائمة ) لهاروكي موراكامي .


تُرجمت لحد الان اربع قصص .الترجمة مازالت جارية وكل مرة نصدر قصة .للمتابعة تابعونا على الفيسبوك وعلى مدونة يونس بن عمارة .



روابط :


http://goo.gl/MwWjUo

الاثنين، 16 يونيو 2014

السلطعونات - قصة قصيرة هاروكي موراكامي

السلطعونات


هاروكي موراكامي .


ترجمة جهان سمرقند .



السلطعونات




كان عثورهما على المطعم الصغير محض صدفة. في مساءهما الأول في سنغافورة، و بينما كانا يسيران على الشاطئ على هواهما، ولجا إلى شارع جانبي حيث صادف أن مرا على المكان من قبل. كان المطعم بناءا من طابق واحد محاطا بسور من الطوب يصل ارتفاعه إلى الخصر، مع حديقة تحوي نخلات صغيرات و خمس طاولات خشبية. كان البناء الرئيسي من الجص مدهونا بلون وردي زاه،و لكل طاولة مظلة باهتة مفتوحة فوقها، الوقت لا يزال مبكرا و المكان شبه خال، فقط هناك شيخان كبيران ذوا شعر قصير، كان واضحا أنهما صينيان، يجلسان متقابلين، يحتسيان البيرة و في صمت يأكلان تشكيلة من الأفاعي، لم ينطقا بكلمة واحدة لبعضهما البعض، و على الأرض أمام أقدامهما كان هنالك كلب أسود ضخم يتمدد في ملل، عيناه نصف مغمضتين. أثر بخار شبحي ينبعث من نافذة المطبخ، و رائحة مغرية لشيء ما يُطهى، أصوات الطهاة السعيدة تخرج مع قعقعة الأواني والمقالي، وسعف النخيل يرتجف في النسيم العليل، صامدا أمام الشمس الغارقة.


توقفت المرأة متأملة، ثم سألت قائلة " ماذا عن تناول العشاء هنا؟"


قرأ الرجل الشاب اسم المطعم في المدخل و نظر حوله باحثا عن لائحة الطعام، لكن لم تكن هناك أي لائحة موضوعة خارجا. فكر قليلا ثم قال:" اممم، لا أدري. أنت تعلمين، نحن لسنا متأكدين من الأكل في مكان كهذا في بلد أجنبي"


-" لكني أملك حاسة سادسة فيما يخص المطاعم، يمكنني دائما أن أشتّم تلك الجيدة حقا. و هذا المطعم ممتاز دون شك، أنا أضمن لك هذا. لما لا نجربه؟"


أغمض الرجل عينيه و اخذ نفسا عميقا، لم يكن يملك أدنى فكرة عن نوع الطعام المطهو هنا، لكن عليه أن يقر أن رائحته مغرية جدا. و المطعم نفسه يملك سحرا خاصا.


- " لكن هل تعتقدين أنه نظيف".


جذبته من ذراعه " أنت حساس جدا. لا تخف، لقد قطعنا كل هذا الطريق لنصل إلى هنا، فعلينا أن نتحلى قليلا بحس المغامرة. لا أريد أن آكل في مطعم الفندق كل يوم فهذا ممل. هيا بنا، دعنا نجرّب"


لما دخلا أدركا أن المكان مخصص لأطباق السلطعون. كانت لائحة الطعام مكتوبة بالانجليزية و الصينية، و كان أغلب الروّاد من أهل البلد و الأسعار جد معقولة.


وفقا للائحة الطعام فإن سنغافورةتضم العشرات من أنواع السلطعونات، مع قرابة مائة نوع من أطباق السلطعونات. طلب الرجل و المرأة بيرة سنغافورية، و بعد البحث فيما هو متوفر ، اختارا أطباق سرطانات مختلفة و تشاركاها. كانت الحصص وافرة، و المكونات كلها طازجة و التوابل جيدة.


" هذا حقا جيد" قال الرجل متأثرا.


" أرأيت؟ ماذا قلت لك؟ قلت لك أني أمتلك القدرة على إيجاد الأفضل. هل تصدقني الآن؟"


" أها. أنا أفعل" أقر الرجل الشاب.


"هذا النوع من الطاقة في متناول اليدين" ، قالت المرأة " هل تعلم؟ الأكل أكثر أهمية مما يظن معظم الناس. قد تمر عليك أوقات في حياتك عندما تكون قد تحصلت للتو على شيء خارق اللذة. و عندما تكون واقفا في مفترق الطرق يمكن لحياتك بأكملها أن تتغير، حسب المطعم الذي تلج إليه- الجيد أو الرديء، الأمر أشبه بأن تقع على هذه الجهة من السور، أو الجهة الأخرى."


"هذا مثير للاهتمام" قال


و أردف " يمكن أن تكون الحياة مخيفة جدا، أليس كذلك؟"


"بالضبط" قالت و رفعت إصبعها بلؤم.


"الحياة أمر مخيف، أكثر مما يمكنك تصوره"


أومأ الشاب. وأضاف "ونحن قد حدث أن سقطنا داخل السور، أليس كذلك".


" بالضبط"


"هذا أمر جيد"، قال الرجل الشاب بحيادية. "هلتحبين السلطعون؟ "


" امم. لقد احببته دائما، ماذا عنك؟"


" أنا احبه، و لا أمانع في أكله كل يوم"


" شيء مشترك آخر بيننا" قالت بابتهاج.


ابتسم الرجل، و رفع كل منهما كأسه من أجل نخب آخر.


قالت " علينا أن نعود غدا، لا يمكن وجود أماكن كثيرة كهذا المكان في العالم، أقصد الأكل لذيذ جدا، ثم انظر إلى الأسعار"


أكلا خلال الأيام الثلاثة التالية في المطعم الصغير. في الصباح يذهبان إلى الشاطئ للسباحة، و يتعرضان لحمام شمس، ثم يتجولان في المدينة ويقتنيان الهدايا التذكارية من محلات الحرف اليدوية المحلية. في نفس الوقت تقريبا من كل مساء كانا يذهبان الى المطعم الصغير خلف الشارع، يجربان مختلف أطباق السلطعون، ثم يعودان إلى غرفتهما في الفندق ليمارسا الحب على مهل، ثم يقعا في نوم بلا أحلام.


كل يوم كان يمر كأنهما في جنة. كانت المرأة تبلغ من العمر ستة و عشرين سنة، و تدرس الانجليزية في ثانوية خاصة للبنات، أما الرجل فقد كان يبلغ ثمان و عشرين سنة و يعمل مدقق حسابات في إحدى البنوك الكبرى. كانت تقريبا معجزة أن يتمكنا من أخذ إجازة في نفس الوقت، وأرادا أن يجدا لنفسيها مكانا حيث لا أحد من شأنه أن يزعجهما، أين يمكن أن يستمتعا ببعضهما ببساطة. حاولا قصارى جهدهما تجنب أي موضوع من شأنه أن يعكر مزاجهما والوقت الثمين الذي يقضيانه معا.


في اليوم الرابع _آخر يوم من عطلتهما، كانا يأكلان السلطعون كما هو الحال دائما في المساء، و يغرفان اللحم من ساقي السلطعون بالأدوات المعدنية، و يتحدثان عن كيفية وجودهما هنا، يسبحان كل يوم على الشاطئ، يأكلان السلطعون حتى الشبع في الليل، ما يجعل العودة إلى حياة طوكيو تبدو غير حقيقية و بعيدة جدا. كانا يتحدثان أغلب الوقت عن الحاضر.، فيسود الصمت وجباتهما من حين إلى آخر، و يغرق كل منهما في أفكاره. لكن هذا الصمت لم يكن سيئا، فالبيرة الباردة و السلطعون الساخن يلطفان الجو بشكل جيد.


يغادران المطعم و يسيران الفندق، كما هو الحال دائما، و يختمان يومهما بممارسة الحب. بهدوء، لكن على أتم وجه. ثم يستحمان معا و سرعان ما يخلدان إلى النوم. لكن بعد فترة قصيرة، استيقظ الرجل الشاب و شعور رهيب ينتابه. كان يحس و كأنه قد ابتلع سحابة ثقيلة، فهرع إلى الحمام، و انحنى على المرحاض ليفرغ كل ما في معدته.


كانت معدته مليئة بلحم السلطعون الأبيض، لم يملك له الوقت لإدارة الإنارة، لكن ضوء القمر الطافي على سطح البحر، سمح له برؤية ما كان في المرحاض. أخذ نفسا عميقا، و أغلق عينيه و ترك الوقت يمر. كان رأسه فارغا، لا يسمح له بالتفكير في شيء. كل ما كان بإمكانه أن يفعله هو ان ينتظر. و ها هي نوبة غثيان تصيبه مرة اخرى فلا تدع شيئا باقيا في معدته.


عندما فتح عينيه، رأى كتلة بيضاء لما تقيأه تطفو على سطح ماء المرحاض. إنها كمية هائلة. يا ويلي ! ما كل هذا السلطعون الذي أكلته! فكر في نفسه نصف معجبٍ. لقد أكلت كل هذا المقدار من السلطعون يوما بعد يوم، فلا عجب إذا إن أنا مرضت، حتى و إن كنت أقطعه فهذه حتما كمية كبيرة، إنها تعادل قيمة ثلاث أو أربع سنوات من أكل السلطعون، أكلتها في أربعة أيام.


بينما كان يحدق في الكتلة التي تطفو في المرحاض و كأنها تتحرك بإهمال، فكر أولا أنه حتما يتخيل أشياء لا وجود لها. فضوء القمر الخافت لا بد من أن يجعله يتوهم. لا شك في أن سحابة عابرة قد حجبت القمر ما جعل كل شيء للحظات يبدو أظلم من ذي قبل. أغلق الرجل الشاب عينيه و أخذ نفسا عميقا، ثم فتحهما مجددا، لم يكن الأمر وهما، كانت كتلة اللحم تتحرك بكل تأكيد، و تشبه التجاعيد المفتولة، وكان سطح اللحم يهتز. قام الرجل الشاب و أضاء مصباح الحمام. إنحنى أكثر على كتلة اللحم و رأى أن ما يرتجف على السطح كان عددا لا يحصى من الدود. كان دودا صغيرا بنفس لون لحم السلطعون، ملايين منه ملتصقة بسطح اللحم.


مرة أخرى تقيأ كل ما في معدته، لكن لم يكن قد بقي فيها شيء، تقلصت معدته إلى أن أصبحت بحجم قبضة، و خرج مرير المرارة أخضر، قد اُعتصر من أحشاءه. غير مكتفٍ بهذا، ابتلع بسرعة غسول الفم و أعاد تقيأه.


قام بشفط محتويات المرحاض بالماء الدافق مرارا و تكرارا ليتأكد من ذهابها كلها، ثم غسل وجهه في الحوض مستعملا منشفة بيضاء نقية ليفرك جيدا محيط فمه، بعدها نظف جيدا أسنانه. أسند يديه على الحوض و أخذ يحدق في انعكاس صورته على المرآة. بدا وجهه هزيلا و مجعدا، و بشرته بلون الوحل، لم يستطع أن يصدق أن هذا كان حقا وجهه، بدا و كأنه شيخ منهك.


غادر الحمام، و اتكأ على الباب ثم ألقى نظرة على غرفة النوم. كانت حبيبته في السرير، نائمة بعمق. وجهها غارق بعمق في وسادتها، كانت تشخر بهدوء، غير واعية بما كان يحدث. كمروحة مرهفة، كان شعرها الطويل يغطي وجنتيها و كتفيها،و في الأسفل من كتفها مباشرة تستقر شامتان، تصطفان كأنهما توأمان.كان ظهرها يكشف بوضوح عن آثار خطوط ثوب السباحة و ضوء القمر الفضي ينفذ بهدوء عبر الستائر، مع الصوت الرتيب لاصطدام الأمواج بالشاطئ. على جانب السرير كانت الأرقام الخضراء لساعة المنبه تتوهج، لا شيء تغير، باستثناء أن السلطعون كان الآن داخلها، فقد تشاركا هذا المساء الطبق نفسه، غير أنها لم تكن على علم بالأمر.


غرق الشاب وسط كرسي من الروطان بجانب النافذة، وأغمض عينيه، وتنفس ببطء وبانتظام. قام باستنشاق الهواء النقي، و إخراج الهواء القديم. حاول استنشاق أكبر قدر من الهواء بإمكان جسده احتواءه، أراد أن تنفتح مسامات جسده على اتساعها. و كمنبه قديم في غرفة خالية، كان قلبه يخفق خفقات شديدة و جامدة.


حدق في حبيبته النائمة، فتخيل العدد الذي لا يحصى من الديدان في معدتها، هل يجدر به إيقاظها و إخبارها عن الأمر؟ ألا يجب عليهما فعل شي؟ لم يكن واثقا بما يجب فعله، فكر لفترة ثم عدل عن الفكرة، ذلك أنها لن تجدي نفعا. هي لم تلحظ شيئا و هنا تكمن المشكلة.


بدا العالم بعيدا عن المألوف، كان بإمكانه أن يسمع صريره من هذا المدار الجديد . فكر في أن أمرا ما قد حدث، و العالم قد تغير. كان كل شيء خارجا عن النظام، و ليس بالإمكان ان يعود الى ما كان عليه. كل شيء قد تغير ، و ليس بإمكانه سوى ان يستمر في هذا الاتجاه الجديد. قرر أن يعود غدا إلى طوكيو، إلى الحياة التي خلفها وراءه. على السطح لم يتغير شيء، لكن لا اعتقد أنه سيكون بامكاني الانسجام معها مرة أخرى. لن أشعر مطلقا تجاهها بنفس الطريقة التي كنت أشعرها حتى البارحة. لكن ليس هذا كل شيء، فأنا لا أعتقد أن بإمكاني الانسجام مع نفسي أيضا، فالأمر أشبه بوقوعنا من سور مرتفع إلى الخارج، دون ألم و دون صوت و هي لم تلحظ حتى هذا الأمر. جلس الشاب على كرسي الروطان حتى الفجر، يتنفس بهدوء. من وقت إلى آخر تشق صرخةٌ هدوء الليل، و تقرع زخات المطر النافذة كنوع من العقاب. تمر غيوم المطر و ينكشف وجه القمر مرة تلو الآخرى و المرأة لم تستيقظ أبدا، أو حتى تستدير في فراشها.اهتز كتفها بضع مرات، هذا كل ما في الأمر. كان يرغب في النوم أكثر من أي شيء آخر، أن يستغرق في النوم و يستيقظ ليجد كل شيء قد حُل، و تعود الأمور إلى نصابها، تجري بسلاسة كما هي العادة. لم يرغب الرجل الشاب في شيء أكثر من الغوص في نوم عميق، لكن بقدر ما كان يمد يده ليمسك به، كان النوم بعيدا عن متناوله.


تذكر الرجل الشاب أول ليلة، عندما عبرا على مطعم جانب الشارع، الرجلان الصينيان اللذان كانا يأكلان طعامهما بصمت، الكلب الأسود ذو العينين المغمضتين، و الرابض عند قدميهما، و المظلات الباهتة على الطاولات، و كيف كانت هي تشد على ذراعه. بدا و كأن سنة قد مرت على هذا، في حين أنه بالكاد قد مرت ثلاثة أيام، ثلاثة أيام تغير خلالها، عبر قوة غريبة، إلى واحد من أولئك الرجال الكبار الرماديين المشئومين. كل هذا في مدينة سنغافورة الساحلية، الجميلة و الهادئة. وضع يديه أمامه و حدق فيهما باهتمام، نظر في باطن كفيه و ظاهرهما، لا يمكن لشيء أي يخفي حقيقة أنهما كانتا ترتجفان و لو قليلا.


" مم، لطالما أحببت السلطعونات، ماذا عنك؟" كان بإمكانه سماعها تقول هذا.


" لا أدري" فكر.


أحس قلبه محصورا بشيء عديم الشكل، محاطا بغموض عميق و مريح. لم يعد يملك أدنى فكرة عن وجهة حياته، و ما الذي يمكن أن ينتظره هناك. لكن مع بدء بزوغ الفجر أخيرا تبادرت إلى ذهنه فجأة فكرة:" شيء واحد أنا متأكد منه، لن آكل السلطعون ثانية حيثما ذهبت."



تمت


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ترجمة جهان سمرقند .2014 كل الحقوق محفوظة .النشر الاولي كان في هذه المدونة عند اعادة النشر لا يسمح بذلك الا بالعزو الواضح للمترجم والمصدر .